بقينا
مدة في صحبة الراغب الأصفهاني يعلمنا علوم الرحمة وأسرارها، ويذكر لنا من أخبار
أهلها ما تتشوف له نفوسنا.. وبعد أن اختبرنا بعض الاختبارات، ورأى نجاحنا فيها
أجازنا فيها وفي علومها.. ثم أمرنا بالسير إلى القسم الثاني من أقسام تلك المدرسة
(مدرسة الرفق)
سرنا
إلى القسم الثاني، وكان إمامه إمام من أئمة التقوى والعرفان.. كان الجميع يطلقون
عليه (أبو طالب المكي)([195]) تشبيها له بذلك الولي الصالح الذي كتب في أحوال القلوب ومقاماتها
وأعمالها ما تزودت به الأجيال، وتربت عليه الرجال.
عندما
دخلنا عليه قال لنا: لا يمكنكم أن تكونوا مؤمنين صالحين ما لم تمتلئ قلوبكم بالحلم..
قلنا:
ما الحلم؟
قال:
هو الطّمأنينة عند سورة الغضب..
قلنا:
ما أصعب هذا.. فكيف يملك أحدنا غضبه، وقد ركب فيه تركيبا.. فلا يكاد ينفك عنه؟
[195]
أشير به إلى أبي طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي ( ت 386 هـ)، وهو واعظ
زاهد، فقيه من أهل الجبل (بين بغداد وواسط) نشأ واشتهر بمكة.. ورحل إلى البصرة
فاتهم بالاعتزال.. وسكن بغداد فوعظ فيها، فحفظ عنه الناس أقوالا هجروه من أجلها..
وتوفي ببغداد.. من كتبه (قوت القلوب)، وهو من أمهات كتب السلوك.