كان أهل هذا القسم يطلقون عليه لقب (المحاسبي)([166]) لما علم
عنه من كثرة محاسبته لنفسه.
ما
إن دخلنا عليه القسم حتى وجدناه يخاطب نفسه، ويقول لها من غير أن يلتفت لنا أو
يشعر بوجودنا([167]): يا نفس.. اسمعي مني خمسة تنبيهات مقابل ما تفوهتِ به، وأنتِ منغمسة في
الجهل المركب، سادرة في نوم الغفلة على فراش الكسل..
يا
نفسي الشقية!.. هل أن عمركِ أبدي؟.. وهل عندك عهد قطعي بالبقاء الى السنة المقبلة،
بل الى الغد؟.. فالذي جعلك تملين وتسأمين من الطاعة هو توهمك الأبدية والخلود،
فتظهرين الدلال، وكأنك بترفك مخلدة في هذه الدنيا.
يا
نفسي الشرهة!.. إنك يوميا تأكلين الخبز، وتشربين الماء، وتتنفسين الهواء، أما يورث
هذا التكرار مللا وضجرا؟.. كلا.. دون شك.. لأن تكرار الحاجة لا يجلب الملل بل يجدد
اللذة، لهذا؛ فالطاعة التي تجلب الغذاء لقلبي، وماء الحياة لروحي، ونسيم الهواء
للطيفة الربانية الكامنة في جسمي، لابد أنها لا تجعلك تملين ولا تسأمين أبدا.
يا
نفسي الجزعة!.. إنك تضطربين اليوم من تذكر عناء العبادات التي قمت بها في الأيام
الماضية، ومن صعوبات الصلاة وزحمة المصائب السابقة، ثم تتفكرين في واجبات العبادات
في الأيام
[166]
أشير به إلى أبي عبد الله الحارث بن أسد ( ت 243 هـ) أحد مشايخ الصوفية.. كان
فقيهاً، متكلماً، كتب الحديث وعرف مذاهب النساك، وصنّف كتباً كثيرة في الزهد وأصول
الديانات، وله أقوال مشهورة، وحكايات مع الجنيد.. من كتبه: آداب النفوس، المسائل
في أعمال القلوب والجوارح، وهي رسالة، الرعاية لحقوق اللّه عزّ وجلّ، الخلوة
والتنفّل في العبادة، رسالة المسترشدين، والتفكر والاعتبار.. ولا يخفى سر اختيارنا
له في هذا الفصل..
[167]
ما نذكره من هذه المحاسبة مقتبس من (الكلمة الحادية والعشرون) من (الكلمات)
للنورسي بالتصرف الذي ألفناه في هذه السلسلة.