قال:
أعلى درجات المراقبة هي مراقبة المقربين من الصديقين.. وهي مراقبة التعظيم
والإجلال.. وتتحقق بأن يصير القلب مستغرقاً بملاحظة ذلك الجلال ومنكسراً تحت هيبته،
فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلاً.
الجوارح
في هذه الدرجة تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلاً عن المحظورات.
وهذا
هو الذي صار همه هماً واحداً فكفاه الله سائر الهموم.. ومن نال هذه الدرجة فقد
يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه، ولا يسمع ما يقال له مع
أنه لا صمم به وقد يمرّ على ابنه مثلاً فلا يكلمه، حتى كان بعضهم يجري عليه ذلك
فقال لمن عاتبه: إذا مررت بي فحركني.
قال
رجل منا: أكائن هذا.. أيمكن للإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة؟
قال:
أجل.. لا تستبعدوا هذا، ففي القرآن الكريم إشارة إليه، فقد قال تعالى مخبرا عن حال
النسوة بعد رؤيتهن ليوسف :﴿ فَلَمَّا
سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً
وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ
لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)﴾ (يوسف)
بالإضافة
إلى هذا، فإنكم تجدون لهذا نظائر في القلوب المعظمة لملوك الأرض، حتى إن خدم الملك
قد لا يحسون بما يجري عليهم في مجالس الملوك لشدّة استغراقهم بهم.. بل قد يشتغل