انظروا إلى هذا المستيقظ كيف صار يسمع الكلام
من ربه.. هذه هي اليقظة الحقيقية..
لقد
قلت ذلك لأهل ترمذ، فراحوا يرمونني بالدواهي.. فإياكم أن تكونوا مثلهم.. واسمعوا
إلى الله، فإنكم ستجدونه يخاطبكم خطابا مباشرا.. فإياكم أن تنشغلوا بالحجب عن
خطابه.
***
بقينا
مدة في صحبة الحكيم الترمذي إلى أن خرقت لنا الحجب، وفتحت لنا الأبواب، وانفتح من
أعيننا ما كان مغمضا، ومن آذاننا ما كان مسدودا..
وبعد
أن رأى الترمذي منا هذه الأحوال طلب منا أن نسير إلى القسم الثاني.
سرنا
إلى القسم الثاني، وكان إمامه إمام من أئمة الحديث والتقوى.. كان الجميع يسمونه (الإمام
النسائي)([118])، وقد علمت أنه قدم فارا من دمشق بعد أن طلب بعض المبتدعة منه فيها أن
يثني
[118]
أشير به إلى أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي الكبير
(215-303 هـ) القاضي الإمام، أحد الأئمة المبرزين والحفاظ المتقنين، والأعلام
المشهورين. طاف البلاد وسمع من ناس في خراسان والعراق والحجاز ومصر والشام
والجزيرة وغيرها. قال الحاكم: كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح
والسقيم من الآثار وأعرفهم بالرجال. له من الكتب: السنن الكبرى في الحديث؛ المجتبى
وهو السنن الصغرى، خصائص عليّ؛ مسند عليّ؛ الضعفاء والمتروكون بمسند مالك.
وقد تعرض هو
الآخر لمحنة سببها كتابه في في فضل الإمام علي بن أبي طالب الذي جمع فيه الاحاديث
الواردة في فضل الامام أمير المؤمنين وأهل بيته.. فقد ذكر المؤرخون أنه بعد أن ترك
مصر في أواخر عمره قصد دمشق ونزلها، فوجد الكثير من أهلها منحرفين عن الامام علي
بن أبي طالب، فأخذ على نفسه وضع كتاب يضم مناقبه وفضائله رجاء أن يهتدي به من
يطالعه أو يلقى إليه سمعه، فأتى به والقاه على مسامعهم بصورة دروس متواصلة.
وبعد ان فرغ منه
سئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: (أما يرضى معاوية ان يخرج رأسا برأس حتى
يفضل؟)، وفي رواية: (ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك)، فهجموا عليه وداسوه
حتى أخرجوه من المسجد، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفى بها.