فتحت الدفتر، فوجدت أول كلمة فيه (الحكمة)، فقلت: أليست كل هذه
الدفاتر تبحث في الحكمة؟
قال: بلى..
قلت: فكيف يتحول الكل جزءا؟
قال: الحكمة نوعان: حكمة في المنهج.. وهي الكل الذي تنضم
حوله كل ما رأيته من أجزاء.. وحكمة في الأسلوب.. وهو ما وضعت مراتبه هنا.
قلت: فما دليلك عليه؟
قال: الآية التي أذنت لي في أن أبحث في هذا..
قلت: الآية التي زينت بها مدخل الكتاب؟
قال: كتاب الله أعظم من أن نختصره في التزيين.. إن كل آية من
كتاب الله بحر من بحار العلم .. ولا خير في علم لم يزين مدخله بكلام ربه.
قلت: فما الفرق بين هذه الأساليب الثلاث؟
قال: من خلال
اطلاعي على علاقة المخاطبين بالحقائق وجدت ثلاثة أصناف كبرى، تنطوي تحتها أصناف
كثيرة.. وقد وجدت أن هذه الآية الكريمة تعلمنا الأسلوب الذي نخاطب به هؤلاء
الثلاثة.
قلت: فما أول
هذه الأصناف، وبم يخاطبون؟
قال: أولهم هم
أهل البحث عن الحقائق، والاستعداد لتقبلها، وهم من غلبوا عقولهم على نفوسهم..
وهؤلاء يخاطبون بأسلوب (الحكمة) التي هي عرض الحقائق مع براهينها الدالة عليها.
قلت: وما الصنف
الثاني، وبم يخاطبون؟
قال: هم من
أصحاب النفوس التي تمتلئ رغبة ورهبة..
قلت: إن هؤلاء
محجوبون بنفوسهم عن عقولهم، فكيف يمكنك خطابهم، وبينك وبين عقولهم تلك الحجب
الكثيفة؟