بعد مرتبة (العبادات) وجدت مرتبة (الأخلاق)، فسألته عنها، فقال: إن
من عرفته بالله، وعلمته كيف يعبد الله لن يصعب عليك أن تدعوه لمكارم الأخلاق..
قلت: لم.. ولم لم نبدأ بالدعوة لمكارم الأخلاق؟
قال: إن الأخلاق بجميع فروعها تستدعي قوة إيمانية عالية.. لأنها
تستدعي ثبات داعي الحق أمام داعي الهوى.. ولا يمكن لداعي الهوى أن يدحر ويهزم إلا
إذا قاومه داعي الإيمان.
قلت: ولكني أرى على البعض ـ رغم عدم تدينه ـ من الأخلاق ما ليس للمتدينين؟
قال: صدقت.. هناك من فطر على كثير من الأخلاق الطيبة، أو ربي عليها،
وقد قال (ص) في هذا لبعض أصحابه:(إن فيك
خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)([69]).. ومثل ذلك أخبر (ص) عن معادن الناس، فقال:(تجدون الناس معادن: خيارهم في
الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له
كراهيةً، وتجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ)([70])
قلت: إن هذه النصوص تقضي على ما ذكرت من الدعوة للأخلاق..
فالأخلاق شيء فطري لا يحتاج إلى التكلف للدعوة إليها؟
قال: إن قولك هذا يشبه قول من يقول: إن الصحة شيء فطري.. ولا
حاجة للأطباء.. أترى هذا القول مستقيما؟
قلت: لا.. فقد يمرض الصحيح، وقد يصح المريض.
قال: فكذلك الأخلاق.. فقد ينحرف صاحب الخلق الطيب، وقد يعتدل
صاحب الخلق الخبيث..
قلت: فما الذي يرجح الطيبة أو الخبث؟
قال: الدعوة.. الدعوة إلى السلوك الطيب تنشر الطيبة..
والدعوة إلى السلوك الخبيث تنشر الخبث..