قال: فلهذا أمره رسول الله (ص) أن يعمق الإيمان في قلوبهم أولا، فإن هم
آمنوا أمرهم بالصلاة التي هي عبادة محضة.. فإن هم فعلوا، وزينت قلوبهم بحلاوة
العبادة أمرهم حينها بالزكاة والصدقات.
فتحت الدفتر، وكان أول عبارة قابلتني فيه (الإيمان قبل
العمل)، فسألته عنها، فقال: لقد تأملت ما ورد في النصوص حول مرتبتي الإيمان والعمل..
فوجدتها جميعا تنص على تقديم الإيمان على العمل.. فالله تعالى يقول ـ مثلا ـ:﴿
وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا
رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيما﴾ (النساء:39).. فقد قدم الله
في هذه الآية الإيمان على النفقات..
قلت: أحفظ من ذلك الكثير.. فقد قدم الله تعالى الإيمان على
الجهاد في قوله تعالى:﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا
مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا
نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة:86)
قال: وهكذا.. لقد وجدت القرآن في كل المناسبات يرتب الإيمان
قبل العمل، فهو يخاطب المؤمنين بالتكاليف بحسب ما عندهم من الإيمان، فيقول ـ مثلا
ـ:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183)، ويقول:﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة:208)
فهذا النداء المرتبط بالإيمان كأنه يقول للمخاطبين: ما دمتم
قد تحققتم بالإيمان، وامتلأتم به، فإن ذلك يفرض عليكم أن تلتزموا بالسلوك الذي
يقتضيه الإيمان.