لقد كان من نتائج ذلك أن حيت فكرة التقريب، وجمعت من حولها
كبار علماء السنة والشيعة، وكان عملها هذا أهليا محضا، حركته الغيرة على الإسلام
والمسلمين، ولم تكن لهذا العمل علاقة بأي نظام سياسي أو مؤسسة رسمية.
وكان من
نتائجها أنها نجحت في ضم الفقه الشيعي إلى المذاهب الإسلاميّة الأخرى التي تخضع
للدراسة في منهج الفقه المقارن بالأزهر الشريف.
وكان من
نتائجها أنها قطعت شوطاً كبيراً بإصدار تفسير للقرآن متفق عليه، وسعت إلى تحقيق
الفكرة نفسها عن طريق تجميع الأحاديث النبوية المتفق عليها أيضاً.
وهذا يعني أن
جماعة التقريب أنجزت خطى بالغة الأهمية على صعيد تحويل التقريب من حلم وفكرة، إلى
عمل مشترك جاد تبلور في مجموعة من الآثار العلمية التي بقيت لأجيال المسلمين إلى
يوم الدين.
قال مطهري: لقد
ذكرتموني بتلك الأيام الجميلة التي كنت ـ وأنا صحفي كما تعلمون ـ أتزود من مجلة
(رسالة الإسلام) التي كانت تمثل صلب المشروع، وتعكس كيفية رؤية أصحابه له، ولذلك
فإنها تعد بحق صوت التقريب.
إن قارئ أعداد
المجلة يلاحظ أنها ظلت طيلة الأربعة عشر عاما تتحرك على محاور عدة، في مقدمتها
خمسة، هي: استنكار فرقة المسلمين.. والدفاع عن الحق في الاختلاف.. ورفض توحيد
المذاهب.. والأصول المتفق عليها بين أهل السنة والشيعة، ومن ثم السعي الدءوب
للتنبيه إلى مساحة المشترك بين الطرفين.. ورد الشبهات التي تتردد في أوساط أهل
السنة بشأن الشيعة ومذهبهم.
قال الكواكبي:
فيما يتعلق باستنكار فرقة المسلمين وتمزقهم، فإنه لا يكاد نص في المجلة يخلو من
تعبير عنه.. لقد كان البيان الذي أصدره مؤسسو دار التقريب عقب أول اجتماع لهم (في
30 ربيع الثاني عام 1366 هـ) هو أوضح إعلان عن الفكرة، فبعد أن أشار البيان إلى
ثراء الفقه الإسلامي، انتقد ممارسات المقلدين والمتعصبين للمذاهب الّذين كلت
هممهم عن حمل ما كان يحمله سلفهم في العلم والنظر، وهو ما صادف عهود الضعف
السياسي وانقسام الأمة الإسلاميّة إلى دويلات صغيرة لا تربطها رابطة ولا تجمعها
جامعة ومن شأن الضعف السياسي إذا أصيبت به أمة، أن يخيل إلى أبنائها أنهم أقل من
سواهم قوة وعلما وتفكيراً، وأنه تركد معه ريح العلم ويفتر نشاط العلماء.
بهذا وبغيره ـ
أضاف البيان ـ تأثر أكثر المشتغلين بالفقه، فحكموا على أنفسهم وعلى جميع أهل
العلم في زمانهم بأنهم ليسوا أهلاً للنظر والاستنباط، ولا لفهم كتاب الله وسنة
رسوله ومن ثم حكموا بإغلاق باب الاجتهاد، وترتب على ذلك أن وقف