قال: هذا يعني أن الشهادة وظيفة من أعظم وظائف رسول الله ، ووظيفة من أعظم وظائف الأمة([496]).
قلت: أعرف الشهادة التي هي الموت في سبيل الله.. وأعرف
الشهادة التي ترتبط بالقضاء.. وأعرف الشهادة التي تعني الحضور.. فما الشهادة التي
ذكرت في هذا المحل؟
قال: هي جميع ذلك.. وهي غير ذلك..
قلت: لم أفهم.
قال: لقد كان الصالحون يذكرون أربع مراحل لسير السالكين:
أولها السير من النفس إلى الله، وهي رحلة البحث عن الله.. وثانيها: سير الإنسان من الله في الله،
بحثا عن معرفة
الله.. وثالثها:
سير الإنسان
مع الله إلى خلق الله..
ورابعها: سير
الإنسان مع الله بين خلق الله، لإنقاذ خلق الله.
قلت: فأي سير منها يحقق الشهادة التي هي وظيفة الأمة؟
قال: هي المرحلة الأخيرة من سير السالكين.. وهي رحلتهم
لإنقاذ خلق الله من عبودية الشيطان.
قلت: ولكن هذه وظيفة الحاكم لا وظيفة الداعية.. فالحاكم هو
الذي يسير الجيوش التي تفتح أقطار الأرض، وتجعلها بأيدي المسلمين.
قال: لا.. ليست هذه هي الشهادة.. الشهادة أخطر من هذا.. والحاكم
الصالح لا يبحث عن الاستيلاء على الأراضي، وإنما يبحث عن الاستيلاء على العقول
والقلوب.
قلت: أجل.. فقد نصت النصوص القطعية على حرية الاعتقاد
والتعبد، فلكل ذي دين دينه ومذهبه، لا يُجبر على تركه إلى غيره، ولا يُضغط عليه
ليتحول منه إلى الإسلام.
قال: أجل.. فالهداية مصلحة شخصية، والضلال مضرة شخصية، ودور
المؤمن هو الدعوة للمصلحة والتنفير من المضرة، لا الإلزام بذلك، قال تعالى:﴿ قُلْ
يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى
فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا
أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل﴾ٍ(يونس:108)وقال
تعالى:﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ
اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ
[496] تحدثنا عن الشهادة وعلاقتها بالسياسة في رسالة (مفاتيح المدائن)
من (رسائل السلام)