قال: إن كان
الاحتساب هو الفم التاسع، ففمي هو ذلك الفم.
قلت: فمن أنت؟
قال: أنا العز الذي أعز الله به الدين، فصار
عز الدين([472]).
قلت: أأنا الآن بين يدي سلطان العلماء؟
قال: إن كان سلطان العلماء هو الذي لا يسكت
على منكر، فيسرني أن أكون ذلك الرجل.
قلت: فهل تأذن لي في صحبتك؟
قال: من الصعب أن يصحب مثلي.. فإن كنت
تطيقني.. فأهلا وسهلا بصحبتك.
قلت: فبم نبدأ علمنا؟
قال: بالنهي عن المنكر الذي حصل لك.. فلا يمكن
أن نسكت عن منكر.
قلت: لكنك تعلم ضعفي.
قال: ضع بين عينيك (الله).. وسر، فستتزعزع
الجبال لمرآك.
سرت معه، وأنا أشعر بعزة عظيمة لم أشعر
بمثلها في حياتي.. وقد تعجبت لما حصل لي..
فالمسؤول الذي كان قد ردني أبشع رد قام إلي
يحييني ويحيي معي العز، ثم لم يلبث حتى انصرف برهة، وعاد إلي بما يرفع مظلمتي..
طلب مني العز أن أشكره، ثم خرجنا من مكتبه،
ونحن نشيع بالتحيات الطيبات المباركات.
لم يخطر على بالي شيء كما خطر على بالي أن
أسأل العز عن سر هذا، فقال: لن تفقه هذا حتى تتعلم أسرار الحسبة([473])..
[472] نشير به إلى الإمام عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي
(المعروف بالعز بن عبد السلام) (577 - 660هـ، 1181 - 1262م)، الملقب بسلطان العلماء،
وهو فقيه أصولي شافعي، كان يلقب بسلطان العلماء وبائع الملوك. ولد بدمشق ونشأ
وتفقه بها على كبار علمائها. كان علمًا من الأعلام، شجاعًا في الحق، آمرًا
بالمعروف ناهيًا عن المنكر، جمع إلى الفقه والأصول العلم بالحديث والأدب والخطابة
والوعظ.
[473] اختصرنا الكلام عن الحسبة هنا باعتبارها من الولايات التي تقوم
عليها العدالة في النظام الإسلامي، وقد فصلنا الحديث عنها في رسالة (عدالة
للعالمين)