وشعرت في نفس الوقت بحاجتي إلى تطهير سجل
سيئاتي من تلك الذنوب التي قد ينزل بي ما رتب عليها من عقوبات..
فلذلك ما إن خرجت حتى بادرت إلى شيخي أبي مدين طالبا منه أن
يبين لي سبيل هذه التصفية وعلومها، فأرشدني إلى الكرماني، وقال: عليك بصحبته..
فمنزله هو منزل التوبة.. ولم يصحبه أحد إلا فقه من فقه التوبة ما يعود به كيوم
ولدته أمه.
ذهبت إلى الكرماني، وأخبرته بقول أبي مدين، فطلب مني أن
أصحبه إلى منزل التوبة، وقد كان منزلا في ضواحي تلمسان، وكان أبيض اللون، وقد رأيت
عمالا كثيرين يحيطون به، فمنهم من ينقي أرضه، ومنهم من يعيد صباغته، ومنهم من يرسل
بالمياه على أوراق أشجاره ليطهرها من الغبار الذي امتلأت به.
سألت الكرماني عن التوبة، وسرها، وكونها منزلا من منازل
السائرين، فقال: التوبة ترك الذنوب على أجمل الوجوه..
قلت: أجمل الوجوه !؟
قال: أجل.. فالاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر:
لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك..
وهذا الأخير هو التوبة([377]).
وحقيقة التوبة تنتظم في ثلاثة أمور: علم، وحال، وفعل.. وهي
مرتبة بهذا الترتيب: فالعلم الأول، والحال الثاني، والفعل الثالث.. والأول موجب
للثاني، والثاني موجب للثالث إيجاباً اقتضاه اطراد سنة الله في الملك والملكوت.
فالعلم الذي هو (معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجاباً بين
العبد وبين كل محبوب) إذا تمكن من الذي يريد التوبة أحدث تألما للقلب بسبب فوات
المحبوب، (فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم، فإن كان فواته بفعله تأسف على
الفعل المفوت، فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندماً، فإذا غلب هذا الألم
على القلب واستولى وانبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصداً إلى
فعل له تعلق بالحال والماضي وبالاستقبال، أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان
ملابساً، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر،
وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر)
قلت: فقد آل أمر التوبة إلى العلم؟
قال: أجل.. ولكنه علم مخصوص.. وهو العلم الذي يريك خطر
الذنوب، وكونها حجابا بينك وبين كل مرهوب، أو