انظر.. كيف ذكر الله تعالى خشية العلماء بعد ذكره لأصناف
المكونات.. فلا يعظم الله حق تعظيمه من لا يعرف المكونات ويبحث فيها ويمتلئ عجبا
بما فيها.
قلت: صحيح ذلك.. وليس ذلك خاصا بهذا.. فلا يمكن أن نعرف
شاعرا ما لم ندرس أشعاره، ولا رساما دون أن ندقق في لوحاته، ولا ممثلا دون أن نرى
ما أبدعه في تمثيلياته.. وهكذا فكل شيء يعرف من خلال آثاره.
قال: ولهذا طولبنا بالتعرف على الآثار لنصل إلى المؤثر.. ألم
تسمع قوله تعالى:﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ﴾ (الروم:50)؟
قلت: بلى..
قال: فالله تعالى اعتبر نظرنا في الكون نظرا في أفعال الله
الدالة على صفاته.. فنقرأ من خلال الكون صفات المكون، ونتعرف على المكون من خلال مكوناته.
قال: وهكذا.. فالله تعالى يأمرنا بقراء الرحمة الإلهية من
خلال حياة الأرض بعد موتها، قال تعالى:﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ
كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الروم: 50)
ويأمرنا بالاستبشار تفاؤلا بفضل الله، وفرحا بالله، وتنسما لرحمة
الله عند هبوب الرياح التي يرسلها الله، قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ
الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً
ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا
بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ (لأعراف:57)
ويعلمنا أن نقرأ لطف الله وخبرته المحيطة بكل شي من خلال
حروف الماء الساقطة على الأرض المخضرة، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ
لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (الحج:63)
ويعلمنا أن نقرأ علم الله وقدرته من خلال السطور المبثوثة في
تقلب الزمان بأعمارنا، قال:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ
عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (النحل:70)
قلت: فأنتم إذن ـ في هذه المحضرة ـ تدرسون العلوم الحديثة؟
قال: غرور البشر هو الذي سماها كذلك.. أما نحن فلا نسميها
علوما حديثة، بل نسميها علوم الحقائق.. فكل علم منها