قال: فالعالم هو الذي لا يستسلم للتقاليد والأعراف، فلا يخضع
لسلطانها، ولا تستعبده بأهوائها، بل تكون له السلطة عليها.. فالعالم مؤثر لا
متأثر، وفاعل لا مفعول، ومغير لا متغير.
قال بعض الطلبة: صدقت.. وقد ذكر رسول الله (ص) بعض علماء بني إسرائيل، فقال:(لما وقعت
بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وأسواقهم
وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم ﴿ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: 78)،
وكان رسول الله (ص) متكئًا فجلس فقال: (لا والذي
نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا)([282])
قال آخر: وفي حديث آخر، قال رسول الله (ص):(إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل
كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم
يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب
الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال:﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ
عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا
يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة:78)، ثم قال: (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتَنهون عن
المنكر، ولتأخذُنَّ على يد الظالم، ولَتَأطرنَّه على الحق أطْرا أو تقصرنه على
الحق قصرًا)([283])
قلنا: عرفنا ما يفهمه طالب العلم من الثامنة، فما الذي
يستفيد من التاسعة، وهي قوله تعالى:﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سـبأ:6)؟
قال: ألا ترون كيف وصف الله النهاية التي يبلغها أهل العلم..
أو النتيجة التي يصلون إليها؟
قلنا: أجل.. لقد ذكر الله أن النتيجة النهائية التي يصل
إليها أهل العلم هي أن يعلموا أن ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ
الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
قال: فالعالم هو الذي لا يغفل عن هذا النوع من العلم.. لأنه
لن يصل إلى لباب العلم به.