قال آخر: وقد ذكر رسول الله (ص) ذلك، فقال:(ما تحت ظل السماء من إله
يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع)([279])
قال الشنقيطي: وذلك لأن صاحب الهوى لن ينتقل من الخطأ إلى الصواب،
أو من الصلاح إلى الفساد.. بل هو أسير هواه إن تراجع عن خطأ، فلن يقع إلا في غيره،
وإن تاب عن معصية، فلن يقع إلا في غيرها.
قال بعض الطلبة: لقد روي في هذا عن ابن عباس قوله: (كان
الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجراً أحسن منه
رمى به وعبد الآخر)([280])
قال: وهكذا عباد الهوى من العلماء: يتوب من صنم الشيوعية
ليقع في صنم الليبرالية.. ويتوب من عبودية الحاكم ليقع في عبودية الوزير.. ويتوب
من عبودية المال ليقع في عبودية الجاه.. وهكذا يظل يتردد بين عبودية وعبودية.
قلت: فمتى يتحرر؟
قال: إذا طلق الهوى، وكفر به.. وجعل الحقيقة هدفه.. حينذاك
فقط سيتحرر.
قلنا: عرفنا ما يفهمه طالب العلم من الرابعة، فما الذي
يستفيد من الخامسة، وهي قوله تعالى:﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدا﴾ (الاسراء:107)؟
قال: ألا ترون كيف وصف الله أهل العلم من الذين تحرروا من
إسار الهوى؟
قلنا: أجل.. لقد وصفهم بالسجود.
قال: فأي علم لا يدلك على السجود، فهو جهل.. وأي علم لم
يملأك بالعبودية فالجهل خير منه.
قلت: ولكن العلم أوسع من أن يختصر في هذا.. فالعلوم كثيرة؟