فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب، بمجرد
المطالعة من غير استعانة بأستاذ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف
والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة
ببغداد، فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة، على منتهى
علومهم في أقل من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة
أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس
وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه)([194])
وهكذا.. فلا ينبغي لمن يريد محاورة أي جهة من الجهات إلا أن
يكون له القدرة على فهمها واستيعاب ما تطرحه من أفكار.
قال أحد رفاقي: فإن لم يكن له القدرة على ذلك؟
قال: من لم تكن له القدرة.. فليلزم الصمت.. فلا يمكن للجاهل
أن يكون معلما..
قال الطالب: إن ذلك يقلل الدعاة إلى الله.
قال: للدعوة إلى الله أساليب كثيرة.. والحوار العلمي أسلوب
من أساليبها.. ولا يمكن أن يمارس هذا الأسلوب جاهل.. لأنه لا يزيد طين الحوار إلا
بلة.
قلت: إن من قومي من يدعو المسيحيين إلى مناظرات علمية.. وهو
لا يعرف حتى فصول الكتاب المقدس.