قال الطالب: فما منبع الحسد، وما علاقته بالحوار..
وما تأثيره فيه؟
قال الغزالي: لقد ذكر أبو حامد الحسد باعتباره الآفة الكبرى
التي تنخر العلاقات.. كما يشير إلى ذلك قوله (ص):(الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب)([192]).. فكل الحسنات التي تنبت من
العلاقات الطيبة بين المتحاورين تأكلها نار الحسد.
قال الطالب: فما العلة النفسية لذلك؟
قال الغزالي: أنت تعلم أن المحاور تارة يغلب وتارة يُغلب،
وتارة يحمد كلامه وأخرى يحمد كلام غيره.. وهو لذلك إن حمد كلامه امتلأ إعجابا
بنفسه.. وإن حمد كلام غيره امتلأ حسدا وحقدا.. فهو لذلك يتمنى زوال النعم عنه
وانصراف القلوب والوجوه عنه إليه، ولهذا قال ابن عباس :(خذوا العلم حيث وجدتموه،
ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في
الزريبة)
قال الطالب: فما منبع الكبر، وما علاقته بالحوار..
وما تأثيره فيه؟
قال الغزالي: لقد ذكر أبو حامد ما ينشئه اعتقاد المحاور
لغلبته وتفضله على مخالفه، فقال:(ولا ينفك المناظر عن التكبر على الأقران والأمثال
والترفع إلى فوق قدره حتى إنهم ليتقاتلون على مجلس من المجالس يتنافسون فيه في
الارتفاع والانخفاض والقرب من وسادة الصدر والبعد منها والتقدّم في الدخول عند
مضايق الطرق، وربما يتعلل الغبـي والمكار الخداع منهم بأنه يبغي صيانة عز العلم،
وأن المؤمن منهيٌّ عن الإذلال لنفسه، فيعبر عن التواضع الذي أثنى الله عليه وسائر
أنبـيائه بالذل، وعن التكبر الممقوت عند الله بعز الدين تحريفاً للاسم وإضلالاً
للخلق به)
ولهذا ورد التحذير في النصوص من الكبر، وأمر بالتواضع، وربط
كل ذلك بالاهتداء إلى الحق.. ففي الحديث أن رجلا أتى النبي (ص)، فقال: يانبي الله إنه ليعجبني الجمال
حتى أود أن علاقة سوطي وقبالة نعلي حسن، فهل ترهب علي الكبر؟ فقال نبي الله (ص): (كيف تجد قلبك؟) قال: أجده عارفا للحق
مطمئنا إليه، قال: (فليس ذاك بالكبر، ولكن الكبر أن تبطر الحق، وتغمص الناس فلا
ترى أحدا أفضل منك وتغمص الحق فتجاوزه إلى غيره)([193])
انظروا.. ألا ترون (أن أبغض شيء إلى المناظر أن يظهر على
لسان خصمه الحق، ومهما ظهر تشمر لجحده وإنكاره بأقصى جهده وبذل غاية إمكانه في
المخادعة والمكر والحيلة لدفعه حتى تصير المماراة فيه عادة طبـيعية، فلا يسمع
كلاماً إلا وينبعث من