سكت (الأمير)، حتى بدا للجمع أنه لا يريد إجابته.. فقام آخر،
وقال: أصارحك.. أنا رجل أحب المظاهر.. وأعظم كل صاحب مظهر.. وأمتلئ بالاحتقار لكل
متواضع.. حتى أن التواضع صار بالنسبة لي مرادفا للذلة.
التفت (الأمير) إلى الرجلين، وقال: لقد روى لنا النبي (ص) قصة.. اسمعوها مني.. وحاولوا أن ترتقوا
لتسمعوها من رسول الله (ص)..
فلا خير فيمن لم يسمع من رسول الله.. قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثةٌ: عيسى ابن
مريم، وصاحب جريجٍ، وكان جريجٌ رجلاً عابداً، فاتخذ صومعةً فكان فيها، فأتته أمه
وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته فانصرفت. فلما
كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي. فأقبل على
صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي،
فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بنو
إسرائيل جريجاً وعبادته، وكانت امرأةٌ بغيٌ يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه،
فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها
فوقع عليها. فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريجٍ، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته،
وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك. قال: أين
الصبي؟ فجاؤوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه
وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي، فأقبلوا على جريجٍ يقبلونه ويتمسحون به
وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهبٍ، قال: لا، أعيدوها من طينٍ كما كانت، ففعلوا.
وبينا صبيٌ يرضع من أمه، فمر رجلٌ راكبٌ على دابةٍ فارهةٍ
وشارةٍ حسنةٍ، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظر
إليه فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع، ـ قال الراوي:
فكأني أنظر إلى رسول الله (ص)
وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها ـ قال: ومروا بجاريةٍ وهم
يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللهم
لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهنالك
تراجعا الحديث فقالت: مر رجلٌ حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله فقلت: اللهم
لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت سرقت، فقلت: اللهم
لا تجعل ابني مثلها فقلت: اللهم اجعلني مثلها؟! قال: إن ذلك الرجل كان جباراً
فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها زنيت، ولم تزن وسرقت، ولم تسرق،
فقلت: اللهم اجعلني مثلها)([126])