قال: ليست الدعوة إلى الله هي الفتنة.. ولكن الفتنة قد تعرض
للداعية إلى الله بما يراه من إقبال الناس عليه، فيتخذهم إلها من دون الله.
قلت: فما المخرج من ذلك؟
قال: أن لا تدعو إلا نفسك، وأن لا تعظ إلا نفسك.
قلت: إنما قصدتك ليجعل الله مني نورا من أنوار الهداية، فكيف
أكتفي بنفسي؟
قال: إذا وعظت غيرك، فكن في موعظتك لغيرك واعظا لنفسك، فلا
خير فيمن يعظ ولا يوعظ.
قلت: أكل ما سمعته منك كان مواعظ لنفسك؟
قال: أجل.. ولولا ذلك ما خشعت القلوب، ولا سالت الدموع؟..
لقد قال رسول الله (ص) يدعونا إلى ذلك: (أوحى الله إلى عيسى
ابن مريم: عظ نفسك بحكمتي، فان انتفعت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني)([117])
***
لم أصحب هذا الرجل الفاضل إلا أربعة أيام فقط.. ولكنها كانت
ـ بالنسبة لثمراتها وعلومها ـ كأربعة أعوام.. لقد كانت ـ كما قال ابن عطاء الله في
حكمه ـ:(رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده)