كان خصم محمد المهدي
يتنصت علينا ليرى موقف محمد المهدي من حكم القاضي.. فلما سمع ما سمع سقطت دموع
حارة من عينيه، ثم جثا على ركبتيه بين يدي محمد المهدي، وقال: هذا ما أردت منك..
هذا ما أردت منك..
أنا نصراني.. لعلي من
أحفاد ذلك الرجل الذي خاصم عليا.. وقد قرأت هذه الحادثة، وأثرت في تأثيرا عظيما..
ولكنها لما كانت مجرد أوراق حفظها التاريخ لم تحيي في نفسي ما ينبغي أن تحييه،
فلما رأيتها اليوم ماثلة أمامي أحيت ما كان ميتا.. وأنا اليوم أشهدك، وأشهد الجمع
بأن الحق لك.. وأني لم أقم بما قمت به إلا اختبارا للعدالة التي جاء بها محمد..
وأنا اليوم أقول ما قال ذلك النصراني لعلي: (أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير
المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقتضي فيقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً
عبده ورسوله)
في
اليوم الرابع، طلب مني محمد المهدي أن أسير معه للثكنة التي يدرب فيها الجند
المكلف بحماية أمن المدينة، فقلت: ألهذه المدينة الممتلئة سلاما ثكنة وجيش!؟
قال:
لولا أن لها ثكنة وجيشا لطمع فيها أعداؤها.. لقد قال الله تعالى يأمر بإعداد العدة
الكافية التي تردع نوازع الشر في المجرمين:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ
لا تُظْلَمُونَ﴾ (لأنفال:60)
كان
أول محل دخلنا إليه في الثكنة مركز للتدريب.. وقد لاحظت شدة التدريبات ودقتها..
ولكني مع ذلك لم ألحظ على الجند أي ضجر أو قلق، بل رأيتهم يقبلون على التدريبات
بحيوية ونشاط، والابتسامة تملأ وجوههم، اقتربت من أحدهم، وقلت: أراك تمارس تداريب
شاقة.. فلم لا ترحم نفسك.. فليس هناك أي عدو يتربص بكم؟
قال:
أنا أطبق أمر الله لنا بالإعداد، ولا يهمني إن كان هناك عدو يتربص بنا أو ليس
هناك.. لقد قال (ص) يفضل المؤمن القوي على
المؤمن الضعيف: (المؤمن القوي خير
[664] تحدثنا بتفصيل عن المعاني السامية التي تحملها هذه
الآية ومثيلاتها في رسالة (النبي المعصوم) من هذه السلسة.