بعد أن
استعمل المحقق كل ما أمكنه من وسائل للتثبت من الشهود والبينات خرجنا إلى القسم
الثاني، وقد كان قاعة كبيرة تشبه قاعات المحاكم المعروفة، وكانت مليئة بالحضور([650]).
وكان
أول متحدث فيها رجل تبدو عليه سيما الصلاح، وقف في الجمع خطيبا، وقال: أيها الجمع
المبارك.. أنتم تعلمون أن هذه المحكمة بقضاتها، وكل من يعملون فيها، وبعد أن بذلوا
كل جهودهم للبحث عن قضاء عادل يحقق قيمة العدل السامية في أعلى درجاتها لم يجدوا
قوانين عادلة كالقوانين التي جاء بها الإسلام.. ولم يجدوا قاضيا عادلا بلغ به عدله
أكمل الدرجات كرسول الله (ص).. لذلك ساروا خلفه،
واعتبروه أسوتهم الأعلى، وقدوتهم الأرفع.. وصارت همة الكل هو السعي للتحقق بوراثة
رسول الله (ص).
وقد
وقفت هنا بينكم ـ قبل أن يذكر القاضي الأحكام التي وصل إليها بعد التحري والتثبت
والتدقيق ـ لأذكر لكم قيمة العدل وخطورة الظلم.. ليرتدع كل ظالم وجائر سواء كان من
المتهمين أو من القضاة:
التفت
إلى المنصة التي جلس فيها القضاة، وقال يخاطبهم: أما القضاة، فقد أخبر
النبي (ص) عن الخطر الذي يتعرضون له إن هم أعرضوا عن
العدالة التي بذلوا جهودهم للوصول إليها.. فقال (ص): (ما
من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف على جهنم ثم
يرفع رأسه إلى الله فإن قال الله تعالى ألقه ألقاه في مهواه أربعين خريفا)([651])
وفي حديث آخر قال (ص): (من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين)([652])
وقال: (ليأتين على القاضي
العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقبض بين اثنين في تمرة قط)([653])
والنبي (ص) بهذا التشديد ينبه إلى خطورة هذا المنصب حتى لا
يطلبه إلا من أنس من نفسه القدرة عليه، أو أنس فيه ولي الأمر القدرة عليه، ولهذا
قال (ص): (من ابتغى
[650] وردت النصوص الكثيرة الدالة على وجوب علانية الجلسات
القضائية حرصا على تحقيق العدالة.. فقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقضي
في السوق..