قال:
هذا لم يبتكره أهل العصر الحديث.. بل هذا ما جاء به محمد (ص).. وهو
ما طبقه ورثة محمد (ص).. لقد قال الله تعالى
يأمر بذلك:﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا
تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ
جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ
عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)﴾
(النساء)
لقد
روي في سبب نزول هذا الآيات الكريمة ما يدل على وجوب استقلال سلطة القضاء في
الإسلام عن سلطة الحكم.. ففي الحديث عن ابن عباس قال: إن نفرا من الأنصار غزوا مع
رسول الله (ص) في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجل
من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله (ص)
فقال: إن طُعْمةَ بن أُبَيْرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها، فألقاها
في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غَيَّبْتُ الدرع وألقيتها في بيت فلان،
وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبي الله (ص)
ليلا فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك
علما، فاعذُرْ صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إلا يعصمه الله بك يهلك،
فقام رسول الله (ص) فبرأه وعذرَه على رؤوس
الناس، فأنزل الله هذه الآيات([646]).
قلت:
فما حاجتك إلى الذهاب إلى المحكمة إذن؟
قال:
أنا ذاهب إلى المحكمة باعتباري فردا من هذه المدينة، لا باعتباري حاكما لها.
ابتسمت،
وقلت: وهل يمكن للحاكم الذي انتخب حسب مواثيق العدالة أن يكون مجرد مواطن عادي
كسائر الناس؟
قال:
أجل.. هو في منصة حكمه حاكم.. ولكنه فيما عدا ذلك مواطن كسائر الناس.
قلت:
فما حاجتك للذهاب إلى المحكمة؟
قال:
لقد ادعى بعضهم بأني ظلمته.. وقد استدعاني القاضي للتحري في مظلمته.. ويلزمني
الذهاب طاعة للقاضي، كما قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (النساء:
59)
قلت:
لقد حيرتني.. هل أنت ولي الأمر أم هو؟
[646] ابن مَرْدُويه، وقد رواه الترمذي بغير هذه الصيغة
مطولا، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني، ورواه
ابن حاتم وابن المنذر في تفسيره، ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره، ورواه
الحاكم، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.