الله ذهب الأنصار
بالأجر كله؟ ما رأينا قوما أحسن بذلا للكثير، ولا مواساة في القليل منهم، ولقد
كفونا المؤونة، فقال : ( أليس تثنون
عليهم به وتدعون لهم؟) قالوا: بلى، قال: (فذاك بذاك)([643])
قلت: كيف يستوي العامل
والشاكر مع أن الشاكر ليس له من العمل شيء؟
قال: لأن التشجيع على
الخير بذكره ونشره والثناء عليه من أكبر وسائل نشره والدعوة إليه والحض على الثبات
عليه، وهو بذلك ينطبق مع قوله (ص): (إن
الدال على الخير كفاعله)([644])،
فالشاكر على الخير مقر به دال عليه، فلذلك اعتبر مساويا للفاعل له.
بل إن الشخص قد يشكر على
القليل، فيدعوه ذلك لبذل الكثير، بل قد يشكر على ما لم يفعله، فيجد نفسه مسارعا
لفعله، بل قد يشكر على شيء معلقا على شيء، فيسرع إلى رفع التعليق ليستوفي الشكر
كاملا.
قال:
النظام.. فلولا النظام ما أمكن أن ينجح أي عمل من الأعمال.
قلت:
فمن أين استلهمتم النظام؟
قال:
من كثرة ما ورد في النصوص من الاهتمام بتنظم الصفوف.. لقد قال الله تعالى يأمر
بذلك:﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً
كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف:4)
وقد
حثنا رسول الله (ص) على الاقتداء
بالملائكة ـ عليهم السلام ـ في هذه العبودية المنظمة، فقال: (ألا تصفون كما تصف
الملائكة عند ربها؟)، قالوا: (يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟)، فقال:
(يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف)([645])
لقد
كان هذا الحديث أساسا لجميع الأنظمة التي تقوم عليها إدارة هذه المدينة وجميع
مؤسساتها.