والأفراد بعضهم ببعض.. لقد كان أول ما فعله
محمد عند قدومه للمدينة
المنورة هو مؤاخاته بين الأنصار والمهاجرين([610]).
وقد ساهم ذلك النظام الذي
أسسه رسول الله (ص) في ربط الأمة
بعضها ببعض، فقد أقام الرسول (ص) هذه
الصلة على أساس الإخاء الكامل بينهم.. وهو إخاء تذوب فيه عصبيات الجاهلية، فلا
حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم
إلا بمروءته وتقواه.
وقد جعل الرسول (ص) هذه الأخوة عقداً نافذاً لا لفظاً فارغاً، وعملا يرتبط بالدماء
والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.
وكانت عواطف الإيثار
والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال.
قلت: فهل استطعتم إحياء
تلك القيم النبيلة التي سادت في المجتمع الذي أسسه محمد؟
قال: أجل.. إن محمدا (ص) ترك لنا كل الوسائل التي يمكننا أن نستنبت بها من جديد تلك
القيم النبيلة التي زرعها في حياته.
وبمثل قوله (ص): (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله
إخوانا،
[610] وروي أنه (ص) آخى بين المسلمين في مكة قبل الهجرة على الحق والمواساة، فآخى بين حمزة
وزيد بن حارثة، وبين أبي بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وبين
الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال الحبشي، وبين
مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة،
وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وطلحة بن عبيد الله، وبينه وبين علي بن أبي
طالب.
ويعتبر البلاذري (ت276هـ) أقدم من أشار إلى المؤاخاة المكية،
وقد تابعه في ذلك ابن عبد البر (ت463هـ) دون أن يصرح بالنقل عنه، كما تابعهما ابن
سيد الناس دون التصريح بالنقل عن أحدهما.