قال: أجل.. إن هذه الهيئة
هي أعلى هيئة في البلد، ولا يمكن لأحد أن يخالفها إلا إذا أخطأت في فهمها للدستور،
فيصحح لها فهمها، أو يناقشها فيما فهمته.
رفعت رأسي إلى أعلى
القاعة، فرأيت لافتة كتب عليها (القانون فوق الجميع)، فقلت له: لقد كنت تزعم أنك
لم تستمد قيادتك إلا من محمد.. وها أنت ذا تضع هذا الشعار.. وهو شعار أنتجته هذه
الحضارة.. ولم تعرفه حضارة محمد.
قال: لا.. أنت تخطئ في ذلك
خطأ جما.. لقد كان محمد (ص) هو صاحب القوانين
والدساتير العادلة.. ولم يحكم فيما أتيح له أن يحكم فيه إلا بتلك القوانين.. ولم
يسن لأمته أن تحكم إلا بما شرع لها من قوانين.
سأذكر لك بعض الشواهد التي
تبين لك أن محمدا (ص) لم يكن يرجع في
حياته القيادية إلا لما تمليه القوانين العادلة([602])..
سأبدأ لك من الأول، لتعرف
أن محمدا (ص) لم يبدأ حياته القيادية
إلا وفق ما تمليه القوانين العدالة.
أنت تعلم أن المدينة التي
بدأ فيها رسول الله (ص) بممارسة مهامه
كأول حاكم مسلم هي المدينة المنورة.
وبما أن القوانين العدالة
تقتضي الاتفاق بين الرعية وراعيها على المبادئ التي يتم على أساسها الحكم، والحاكم
العادل لا يرضى أن يحكم إلا على أساس ذلك الاتفاق، فقد سن رسول الله (ص) في هذه الناحية هذا النوع من القوانين أو العقود.
ولعل أدل دليل على ذلك ما
حصل في بيعة العقبة الأولى.. لقد كانت تلك البيعة هي النواة التي حددت قواعد
الأخلاق الاجتماعية العامة التي تعتبر الأساس لمجتمع فاضل.
وكانت بيعة العقبة الثانية
بداية الاضطلاع بمسئوليات الحكم الفعلية بالنسبة للرسول (ص) بما تضمنته من شروط تتعلق بالنصرة والحرب، وما تم بعدها من
تعيين النقباء الاثني عشر.
[602] استفدنا الكثير من المعلومات المرتبطة بالقوانين في
حياة النبي (ص) من كتاب (الإسلام
والدستور)