قال:
لم أر في حياتي من وفى بها مثله.. لقد كان تبعا في ذلك لقدوته (ص)..
بل لم يكن يتحرك حركة في ذلك إلا على هديه (ص).
قلت:
فحدثنا عما رأيت منه.
قال:
ذلك كثير.. وحسبكم برسائل النور.. اقرأوها لتلمسوا هذه الأساليب جميعا في قمة
قممها..
قلت:
نريد أن تحدثنا عما رأيت.
قال:
سأحدثكم من ذلك ما يرتبط بما نحن فيه.. لقد كنت أبحث عن الإنسان الكامل، وقد كان بديع
الزمان في ذلك الحين هو الداعية للإنسان الكامل، والممثل له.. أو هو ممثل لناحية
الإمامة فيه.. ولذلك لم أكن أهتم ـ إبان صحبتي له ـ إلا عن هذه الناحية فيه.
في
يوم من الأيام قلت للإمام: إني أراك يا إمام تفعل أمورا عظيمة، وتبذل جهودا كبيرة،
ولكني أراك تضعها في غير محلها، وكأني بك تضع بذورك في أرض قاحلة جافة لا أمل في
إنباتها.
ثم
قال: إن الداعية إلى الله يذكر الله حين يدعو إلى الله، وهو لا يبالي حينها هل
يخاطب حجرا أم شجرا، وهو لا يبالي حينها أنبتت البذور أم لم تنبت.. هو يذكر الله
بدعوته لله.. ثم يدع الأمر بعد ذلك لله، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
قلت:
ولكن البصيرة تستدعي ألا تغرس إلا في محل الزرع؟
قال:
وبصيرة البصيرة أن تعمل ما طلب منك في الوقت الذي طلب منك، ثم تكل الأمر بعد ذلك
لله.
لعلك
تعرف ابن عباس؟
قلت:
وكيف لا أعرف ذلك الجبل الهمام.
قال:
لقد كان في عهد النبي a صبيا صغيرا.. ولم يكن
أحد من الناس يأبه له، ولكن النبي a
كان يأبه له.. لقد خصه a بموعظة بليغة ظل يذكرها
إلى آخر حياته، قال ابن عباس: كنت خلف النبي a
يوما فقَالَ: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده
تجاهك، إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعَنْ باللَّه، واعلم أن الأمة لو
اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا