قال:
لما سار رسول الله (ص) من العرج في فتح مكة
رأى كلبة تهر على أولادها وهن حولها يرضعنها، فأمر رجلا من أصحابه يقال له جعيل بن
سراقة أن يقوم حذاءها، لا يعرض أحد من الجيش لها، ولا لأولادها([569]).
وروي
أنه (ص) نزل منزلا فأخذ رجل بيض حمرة، فجاءت ترف على
رأس رسول الله (ص)، فقال: (أيكم فجع هذه
في بيضها؟) فقال رجل: أنا يا رسول الله أخذت بيضها، فقال: (اردده، رحمة لها) ([570])
فالإمام
الوارث لا يدعو لنفسه، ولا لحزبه، ولا لطائفته، وإنما يدعو لربه، ولذلك شرف بهذه
النسبة العالية..
قلنا:
فحدثنا عن ربانية بديع الزمان.
قال:
لقد كان مستغرقا استغراقا تاما في حضرة ربه.. فهو لا يتحدث إلا عنه، ولسانه لا
يلهج إلا بذكره، وحركاته لا تدعو إلا إليه..
دخلت
عليه مرة، فسمعته يقول([571]) ـ
بخشوع عظيم ـ: (ياربي الرحيم.. لقد أدركت بتعليم الرسول (ص)
وفهمتُ من تدريس القرآن الحكيم: أن الكتب المقدسة جميعها، وفي مقدمتها القرآن
الكريم، والأنبياء عليهم السلام جميعهم، وفي مقدمتهم الرسول الأكرم (ص)،
يدلّون ويشهدون ويشيرون بالاجماع والاتفاق إلى أن تجليات الاسماء الحسنى ذات
الجلال والجمال، الظاهرة آثارها في هذه الدنيا، وفي العوالم كافة، ستدوم دواماً
أسطعَ وأبهرَ في أبد الآباد.. وأن تجلياتها ذات الرحمة وآلاءها المشاهدة نماذجها
في هذا العالم الفاني، ستثمر بأبهى نور وأعظم تألق، وستبقى دوماً في دار السعادة..
وأن أولئك المشتاقين الذين يتملّونها في هذه الحياة الدنيا القصيرة بلهفةٍ وشوق
سيرافقونها بالمحبة والوّد، ويصحبونها إلى الأبد، ويظلون معها خالدين.. وأن جميع
الأنبياء وهم ذوو الأرواح