قال:
لقد فهمت من هذه الآية أنها ترتبط بالمختصين من الدعاة.. فهؤلاء لابد أن يكونوا
أفرادا.. ولكنهم لوحدهم لا يمكنوا أن يحققوا شيئا.. فلذلك كان إمدادهم واجبا على
كل الأمة.. كل بحسب طاقته.
لقد
انطلقت من هذه الآية لأبحث عن الداعية إلى الله الذي يستحق مني أن أنصره.. فلم أجد
في هذه البلاد أحد كبديع الزمان.. فإني لم أره يدعو لنفسه، ولا لطائفته، ولا
لعنصره، ولا لحزبه.. لم أره يدعو إلا إلى الله.. فلذلك علمت أنه صادق في دعوته
مخلص فيها..
في
أول لقاء لي معه.. ذهبت في صورة درويش فقير لأرى كيف يعامل الإمام المستضعفين..
وهل يفرق بينهم وبين غيرهم..
قلت:
ما الذي حدا بك إلى هذا؟
قال:
لقد قرأت قوله تعالى:﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا
يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا
يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ
عَنْهُ تَلَهَّى (10)﴾ (عبس)، فعلمت أن السائر على قدم رسول الله (ص)
الوارث له لابد أن يلاحظ هذا التأديب..
قلت:
فماذا وجدت من الإمام؟
قال:
لقد رحب بي أعظم ترحيب، وأحلني أعظم محل.. وفي ذلك الحين بالذات، ـ وكأن الله أراد
أن يريني حقيقة الشيخ وعظم زهده ـ جاءه رجال من كبار الأثرياء بهدايا عظيمة يسيل
لأجلها لعاب الحريصين..
قلت:
فماذا فعل الإمام؟
قال:
لقد نظر إليهم برحمة، ثم خاطبهم بقوله: اعذروني أيها الإخوة الأفاضل.. فأنا منذ([538])
نعومة أظفاري أرفض قبول أموال الناس وهداياهم.. فما كنت أتنازل لإظهار حاجتي
للآخرين رغم أنني كنت فقير الحال وفي حاجة إلى المال، وما كنت زاهداً ولا صوفياً
ولا صاحب رياضة روحية، فضلاً عن أنني ما كنت من ذوي الحسب والنسب والشهرة.
فإزاء
هذه الحالة كنت أحار من أمري كما كان يحار من يعرفني من الأصدقاء، وقد فهمت حكمتها
قبل بضع سنين، إنها كانت لأجل عدم الرضوخ للطمع والمال، ولأجل الحيلولة دون مجئ
اعتراض على رسائل النور في مجاهداتها، فقد أنعم عليّ الباري عز وجل تلك الحالة
الروحية.. والاّ كان أعدائي الرهيبون ينـزلون بي ضربتهم القاضية من
[538] الكلام التالي للنورسي منقول من سيرته الذاتية ص:
492.