موظفاً
في الدولة ولا نائباً في برلمانها، فلا معنى ـ عندئذٍ ـ لممارستي الامور السياسية
وهم ليسوا بحاجة إليّ لأتدخل فيها.. وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة
للدولة، فلابد أن أتدخل إما عن طريق الفكر او عن طريق القوة. فإن كان التدخل
فكرياً فليس هناك حاجة إليّ أيضاً، لأن الأمور واضحة جداً، والجميع يعرفون المسائل
مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وإن كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث
المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه. فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام
والأوزار، حيث يبتلي الكثيرون بجريرة شخص واحد. فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام
وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال او احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا
فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالس السياسة([529]).
قال
الرجل: فما البديل الذي رآه سعيد الجديد صالحا؟
قال
بديع الزمان: لست أنا الذي يضع البديل.. البديل وضعه رسول الله (ص)..
البديل هو ذلك السلوك الرفيع الذي يمتلئ به الداعية إلى الله.. وهو ذلك الإخلاص
والتجرد والبعد عن كل الأغراض الذي كان عليه رسول الله (ص)
وورثته من بعده..
قال
الرجل: والسياسة.
قال
بديع الزمان: ليس الساسة إلا عامة جلسوا على تلك الكراسي.. هم يجلسون فيها
بنفوسهم وبطباعهم وبأخلاقهم.. وليس الساسة إلا ثمرة من بذور الرعية، فإن صلحت
البذور صلحت لا محالة الثمار.. وإن فسدت البذور، فمن العبث محاولة تغيير الثمار..
فلا يمكن أن يجني أحد من الشوك العنب.
قال
الرجل: فكيف نغيرهم؟
قال
بديع الزمان: إذا غيرنا العامة تغيروا.. ألم أقل لك: إن الساسة ليسوا سوى عامة..
فإذا غيرنا العامة وهذبنا سلوكهم، ورفعنا أخلاقهم، وربطناهم بالله.. فإننا ننشئ
منهم دولة الله التي لا تستطيع أي قوة في الدنيا أن تحطمها؟
انصرف
الرجل، وهو يقول: صدقت.. دولة الله التي يحكمها الله لا يمكن أن تنشئها الأهواء..
ولا الأغراض.. دولة الله لا يمكن أن ينشئها إلا الأرواح المتجردة من غير الله.
سألت
النورسي عن هذا الرجل الغريب الذي دخل، ثم خرج من غير أن يعرفنا بنفسه، فقال لي:
ذلك شيء لا يمكن أن تفهمه الآن..
قلت:
فقربه لي..
قال:
لقد قال الله تعالى يصف الإخوان في الجنة:﴿ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ
مُتَقَابِلِينَ﴾