من قريش لأكلت
به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك
أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء، فقال له: أفنهدف نحورنا
للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بك.
ألم
يقرأ هؤلاء سيرة رسول الله (ص)؟
لقد
عرضت عليه المناصب الرفيعة.. وكان يمكنه (ص) أن
يستغلها ليبث من دعوته ما شاء أن يبث، لكنه لم يفعل لأن الدعوة إلى الله لا يمكن
أن تؤدي ثمارها بهذه الأساليب العقيمة.
لا
يمكن لأحد أن يقيم أمة على أعمدة حزب سياسي يمكن أن ينهار بأي فضيحة قد يتلبس بها
أي مغرض دخل الحزب، أو أي مغرض يريد أن يحطمه.
إن
المنهج الصحيح الذي دعانا رسول الله (ص)
إلى استعماله هو ذلك المنهج الذي مارسه (ص) في
حياته.. وهو منهج بعيد تماما عن تلك المناهج التي يمارسها الساسة،والتي يتصارعون
من أجلها.
سكت
قليلا، ثم قال: لقد ذكرني حديثك هذا بتهمة نسبت لي في يوم من الأيام، وكان يمكنني
لو صدقتها بسلوكي، أو صدقها تلاميذي أن تجعل من كل تلك الثمرات العظيمة التي هيأها
الله لنا سرابا لا يسمن ولا يغني من جوع..
أذكر
أني وقفت في تلك المحكمة التي وجهت لي تلك التهم بقوة، وقلت([528]):
نحن طلاب النور من ورثة رسول الله (ص)
آلينا على أنفسنا ألاّ نجعل من أنفسنا أداة طيعة للتيارات السياسية، بل للكون كله،
فضلاً عن أن القرآن الكريم قد منعنا بشدة من الاشتغال بالسياسة.
نعم،
إنا نشعر أن مهمتنا الأساسية هي: خدمة القرآن الكريم، والوقوف بصرامة وحزم في وجه
الكفر المطلق الذي يودي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سماً زعافاً
وجحيماً لا تطاق.
ومنهجنا
في ذلك: هو إظهار الحقائق الإيمانية الناصعة المدعمة بالأدلة والبراهين القاطعة
التي تلزم أشد الفلاسفة والمتزندفة تمرداً على التسليم بالإيمان.. لذا فليس من
حقنا أن نجعل من أشخاصنا أداة لأي شئ كان، وذلك لأسباب:
أولاً:
كي لا تحول الحقائق القرآنية التي تفوق الألماس نفاسة إلى قطع الزجاج المتكسر في
نظر أهل الغفلة، حيث يتوهمونها كأنها دعاية سياسية تخدم أغراضاً معينة،
[528] هذا بعض ما قاله بديع الزمان في (الدفاعات) انظر:
الشعاع الرابع عشر، ص: 403.. وقد تصرفت في النص بما يستدعيه المحل.