قال
الرجل: هم يؤسسون أحزابا، ويمارسون السياسة، ويتصارعون فيها مع خصومهم كما يتصارع
الديكة..
قال
بديع الزمان: ما أفلح من صارع.. ألم يعلموا أن الإسلام دين سلام؟
قال
الرجل: هم يعلمون ذلك.. ولكنهم يقولون: الباطل في حرب مع الحق.. ولا يمكن للحق أن
ينتصر ما لم يصارع الباطل.
قال
بديع الزمان: يصارعه بسيوف الحق، لا بسيوف الباطل.. حدثني عن هؤلاء: إلام يدعون؟
قال
الرجل: إلى دولة الإسلام ونظام الإسلام.
قال
بديع الزمان: فهل تمكن الإسلام من نفوسهم، بحيث اكتملت وراثتهم لرسول الله (ص)؟
قال
الرجل: لا.. بل الكثير منهم ـ كما ذكرت لك ـ لا يختلف في سلوكه عن خصومه.
قال
بديع الزمان: فكيف يدعو مثل هذا إلى نظام الإسلام، وهو لو يقم نظام الإسلام في
نفسه؟.. وكيف يدعو مثل هذا إلى دولة الإسلام، وهو لم يقم دولة الإسلام في قلبه؟
ثم
سكت قليلا، وقال: ألم يدخل المغرضون والمنافقون والمصلحيون مع هؤلاء؟
قال
الرجل: بل دخل الكثير منهم.. بل سيطر الكثير منهم على أجهزة تلك الأحزاب.
قال
بديع الزمان: لم؟
قال
الرجل: لقد لاحظوا أن العامة من الناس تبع لكل من يلهج باسم الإسلام، فلذلك صاروا
لا يعطون أصواتهم إلا لهم.
قال
بديع الزمان: فهل وفوا بما وعدوهم به؟
قال
الرجل: كلا.. وهذا ما جئت أسألك عنه.. لقد شوهوا الإسلام أعظم تشوبه.. فهم لم
يكسبوا من الإسلام الذي طالبوا بتحكيمه سوى بطون منتفخة، وسيارات فارهة، وقصور
عامرة.
نظر
بديع الزمان إلى الأفق البعيد، ثم قال: ألم يكن لهؤلاء أسوة بالإنسان الكامل الذي
جعله الله شمسا تستنير بها الحقائق؟ أم أنهم يتوهمون أنفسهم أكثر فطنة منه؟
لقد
حدث الرواة أنه a أتى بني عامر بن
صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم ـ يقال له بحيرة بن
فراس ـ: والله لو أني أخذت هذا الفتى