ويذكر
الله بصوت رخيم حزين، فعندما يقول: سبحان الله.. سبحان الله كنا نسمعه يصدر على
مهل من أعماق أعماق قلبه.
وعندما
كان يقول: لا اله الاّ الله، ويبدأ بالتسبيحات ويستمر بها يصبح صوته كفرقعة
المدافع في قوته وشدته، فلو كان عنده شخص من الصوفية لأخذته الجذبة والشوق.
وكان
من عاداته أنه كان يقضي الليالي بالتسبيح والتهليل والدعاء والمناجاة والتهجد،
وكان على وضوء دائم، وكان جيرانه في إسپارطة وبارلا واميرداغ يقولون لنا: (كلما
نظرنا إلى بيت الأستاذ في الليل رأينا مصباحه الخافت مضاء ونسمع أنين أذكاره
الحزين ودعاءه الرقيق)
***
بعد أن
رأيت هذا وغيره منه ـ مما لا يمكن وصفه ـ سألته، ولم يكن معي حينها غيره: يا
إمام.. أرى عليك سيما العباد والزهاد.. وأرى في عينيك أشواق الأولياء والعارفين..
فلم لا تتمحض لهذا، وتتفرغ للعبادة، وحينها لن يصيبك أي بأس.. لن تبحث عنك الشرطة،
ولن تسجن في سجونها، ولن يحذر منك أي أحد؟
التفت
إلي، وقال: هل أنا عبد سعيد([527])، أم
أنا عبد الله؟
قلت:
بل أنت.. ونحن جميعا.. وكل ما في الكون عباد لله.
قال:
فهل عبد الله هو الذي يعبد الله كما أمر الله، أم يعبد الله كما أمر هواه؟
قلت:
بل يعبده بما أمر بأن يعبد به.
قال:
فماذا أفعل في التعاليم المقدسة التي أمرني الله فيها بألا أترك الدعوة إليه..
ماذا أفعل في تلك النصوص المقدسة التي تأمرني أن أطرح جلابيب الكسل، وأتزر بإزار
الجد والقيام..
ألم
تسمع إلى الله وهو يخاطبنا بقوله:﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ
فَأَنْذِرْ (2)﴾ (المدثر)؟
قلت:
بلى.. سمعتها.. ولكن الخطاب موجه فيها لمحمد باعتباره رسولا لله.. وليس الخطاب
فيها لسعيد، ولا لغير سعيد.
قال:
الوارث الكامل لرسول الله (ص) هو الذي ينصبغ بصبغته،
فلا يتخذ غيره أسوة.. ولذلك تجده يشعر أن كل خطاب موجه لرسول الله موجه له، وأن كل
دعوة لرسول الله هي دعوة له، وأن كل هم اهتم به رسول الله (ص) هو هم
له.. لا يسعه أن يتركه