قال:
إن هذا يصدق عليه ما ذكرته لك من قبل.. فالتفسير المادي الذي ذكرته لا ينافي
التفسير الغيبي الذي ذكره رسول الله (ص) بل
هو يكمله، بل يعطيه بعدا آخر أكثر جمالا.. فالتفسير المادي الهزيل غير النهائي ـ
والذي نوافقهم فيه ـ يجعل من الرعد مجرد صوت جامد لا جمال فيه ولا حقائق يحملها،
بينما التفسير الكامل هو ذلك التفسير الذي لا يتناقض أولا مع التفسير العملي،
فينفيه، وفي نفس الوقت يضيف تفسيرا آخر يبين حقيقة الحال.
وبذلك
تنتفي الخرافية من التفسير الغيبي، بل تجعل من ذلك التفسير تفسيرا علميا، يقصر
العقل عن إدراكه لما غاب عنه من وسائل ذلك الإدراك.
فالرعد
في المفهوم المادي صوت حتمي ناتج عن حالة فيزيائية معينة، فلا يحمل أي رسالة، ولا
يفهم منه إلا ما يفهم من سائر أصوات الأشياء في ارتطاماتها.
بينما
هو في المفهوم الشرعي صوت له معناه وله دلالاته العظيمة، والتي يفقهها أهل الله
وأولياؤه، ولذلك قال تعالى:﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ
مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ
يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (الرعد:13)
وأنا
أعجب من العقل المادي في استنكاره للمعاني التي يحملها صوت الرعد، وهو لا يستنكر
المعاني التي تحملها أصواته، وهي في حقيقتها المادية كذلك لا تعدوا أن تكون مجرد
ارتطامات للهواء الخارج من الرئتين بالحبال الصوتية وبمخارج الصوت.
فكلا
الأمرين له تفسيره المادي، والذي لا ينافي في الذهن العلمي تفسيره الغيبي، وإلا
صرنا بلها لا نعتقد في الوجود إلا ما تمتد إليه حواسنا القاصرة.
ثم
ما الغرابة في اعتبار الكهربائية التي أنتجت الرعد خلقا من خلق الله له روحه
وإدراكه ووعيه؟.. فلا غرابة في ازدحام هذا الفضاء الواسع والسموات ذات البروج
والأنجم والكواكب كلها بالأحياء وبذوي الادراك والشعور، ولا مانع بناء على هذا أن
يخلق الله ذوي مشاعر من النور والنار ومن الضوء والظلام والهواء ومن الصوت
[502] والتفسير العلمي لذلك أن في
السحب كهربائية موجبة وفي الأرض كهربائية سالبة، وقد تكتسب السحب المنخفضة من
كهربائية الأرض فتصير كهربائيتها سالبة مثلها، فإن اتفق مرور سحابة من السحب
العلوية الجوية فوق سحابة من هذا النوع حصل بينهما تجاذب لأن الجسمين المتكهربين
بكهربائيتين مختلفتين يتجاذبان وتتحد بينهما الكهربائيتان.
فتتجاذب تانك السحابتان حتى
تتحد كهربائيتاهما وعادة يحصل من هذا الاتحاد حرارة شديدة وتتولد بنيهما شرارة
مناسبة لحجم السحابتين فتلك الشرارة هي الصاعقة وما يرى من نورها هو البرق وما
يسمع من الرعد هو صوت سريانها في الهواء فيكون الرعد هو صوت الشرارة الكهربائية
تخترق طبقات الهواء..