وفي ظل هذه الأساطير كان
العرب ينظرون إلى كسوف الشمس على أنه يمثل موت إنسان عظيم، أو خسارة معركة عظيمة.
ولكن محمدا (ص) نظر إلى هذه الظاهرة نظرة علمية محضة، لقد أخبرهم
أن الشمس والقمر مخلوقات وآيات مسخرة لله، ولا علاقة لهما بما يحدث على الأرض من
ولادة أو موت أو غير ذلك.
وفي هذه العبارة وضع محمد (ص) أساساً للبحث العلمي في الظواهر الكونية على
اعتبار أنها آيات من عند الله ومخلوقات تخضع لإرادة خالقها.
زيادة على ذلك، فإن هنالك
شيئا مهما يثبت أن محمداً (ص) لم يكن من الصنف
الذي يريد الشهرة أو المال.. فقد جاءه من يمدحه ويجعل من كسوف الشمس مناسبة لموت
ابنه، وكان في إمكانه أن يسكت عن هذا الأمر، وأن يترك الناس يقدسونه ويرفعون من
شأنه لكنه لم يفعل.
قلت:
عرفت العقبة الأولى.. وعلمت أنه لا يوجد دين من الأديان قضى على الأسطورة كما قضى
عليها الإسلام.. فكيف واجه محمد العقبة الثانية؟.. وهي عقبة لا تقل عن العقبة
الأولى إن لم تكن تفوقها.
قال:
إن محمدا (ص) واجه العقبة الثانية بالتحذير من الدجل والكذب
بكل أصنافه.. فالله تعالى يقول ـ راسما المنهج العلمي الصحيح ـ:﴿ وَلا تَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ (الاسراء:36)،
ويقول مطالبا بالبراهين في مواجهة الدجل:﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا
بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:111)
فلذلك
لم يعذر الإسلام من عذرتهم من الشعوب فيما وقعوا فيه من أخطاء.. ذلك لأن افتقارهم
للوسائل لا يبيح لهم أن يتحدثوا فيما لا علم لهم به، قال تعالى:﴿ وَقَدْ كَفَرُوا
بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (سـبأ:53)
وفوق
ذلك، فإن محمدا (ص) جاء بالتعاليم التي
توفر الاستعداد النفسي للتعامل العلمي مع حقائق الكون.. ولهذا، فإن عصر التنوير
يبدأ في الحقيقة من الأيام التي تشرف فيها محمد (ص)
بالجلوس بين يدي ربه للتعلم منه، ثم نشر ما تعلمه منه بين يدي عباده..
من
ذلك الوقت بدأ التنوير..
لقد
جاء محمد a بالتعاليم التي جددت الإحساس بالكون وإزالة
الغفلة المعطّلة