قام رجل مغضبا،
وقال: دعونا من مثل هذا.. دعوا لنا الفرصة لنتحدث عن الكسب الذي يدخلنا الجنة..
أما ما في الجنة.. فإن من دخلها سيعاين ما فيها.
ابتسم الباقر، وقال: سل ما
بدا لك.
قال الرجل: حدثنا عما
يقربنا إلى الله.. هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى؟
قال: لقد سئل رسول الله (ص) عن مثل هذا، فقال: (نعم، أقرب ما يكون الرب عز وجل
من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)
قام آخر، وقال: أنا مؤرخ..
فحدثني عن أول عن أول مسجد وضع في الأرض؟
قال: لقد سأل أبو ذر رسول
الله (ص) عن هذا، فقال: المسجد
الحرام، فقال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، فقال: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً، ثم
الأرض لك مسجد، حيث أدركتك الصلاة فصل([484]).
***
ظللنا هكذا من أول النهار
إلى آخره، والباقر لا يسأل سؤالا إلا أجاب عنه بما أجاب النبي (ص)، وكأن النبي (ص) كان
هو المفتي في ذلك المجلس، وكأن الباقر لم يكن سوى وسيط يبلغ الناس ما يفتيهم به
نبيهم (ص).
في آخر النهار، وبعد أن
انفض الجمع، انتهزت الفرصة، واقتربت منه، وكان أكبر أمل لي أن يجيبني عن سؤال أو
سؤالين.. ما كنت أطمع منه بأكثر من ذلك، فقد رأيت حرص الناس على التلقي عنه.. ولا
يمكنني أن أطمع فوق ما يطمع فيه غيري.
لكني فوجئت عندما رأيته
يحدق في وكأنه يعرفني، ثم يسرع إلي، ويضمني، ويقول: مرحبا بك في القاهرة.. لقد شاء
الله أخيرا أن نلتقي.
تعجبت من موقفه هذا،
وتصورت أنه توهمني بعض معارفه لشبه بيننا.. فأسرعت أصحح له، وأقول: لي شرف عظيم أن
أكون من ذكرت.. ولكني لست من ذكرت.