responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : النبي الإنسان نویسنده : د. نور الدين أبو لحية    جلد : 1  صفحه : 187
معه([473]).

***

بقيت مع أويس مدة أنهل من علمه وزهده.. وقد كان يأتيه الكبار والصغار والعامة والوجهاء.. فلا يختلف سلوكهم معهم جميعا.. وكأنهم بالنسبة إليه شخص واحد يتعامل معه باعتبار إنسانيته لا باعتبار رتبته وطبقته.

وكان الجميع ـ على حسب ما رأيت ـ لا يخرج من عنده إلا بعزيمة صادقة، وهمة عالية، وكأنه سقاهم الترياق الذي يسيرون به في حياتهم وفق ما تقتضيه الهمم العالية، لا وفق ما تتطلبه الحظوظ الدنية.

لقد تعلمت من صحبته قيمة الزهد وأثره العظيم في الإصلاح بكل جوانبه.. الإصلاح النفسي.. والإصلاح الاجتماعي.. بل والإصلاح السياسي..

وعنده تعلمت أن الزهد ـ الذي كنت أحتقره ـ قيمة من القيم الرفيعة، وخلق من الأخلاق العالية.. وأن معانيه لو انتشرت بين العامة والخاصة لجردت الحياة من أشواك الصراع التي ينبتها الحرص والرغبة والطمع والتثاقل إلى الأرض.

بقيت مع أويس إلى أن جاء ذلك اليوم الذي لقي فيه ربه.. وقد بكيت فيه كما لم أبك على أقرب أقاربي..

التفت الوارث إلينا، وقال: إن شئتم حدثتكم عن حفل التأبين الذي أقيم له.. والذي حضره كل من تتلمذوا على يديه من الكبار والصغار.. بل إني لم أر في حياتي ازدحاما على جنازة أحد كما رأيت الازدحام على جنازته.

أشرنا إليه بالإيجاب، فقال: في ذلك اليوم قام خطيب من الخطباء تخنقه دموعه، عرفت بعد ذلك أن اسمه (ابن السماك)([474])، وقال: يا أيها الناس إن أهل الدنيا تعجلوا غموم القلب وهموم النفس وتعب الأبدان مع شدة الحساب، فالرغبة متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والزهادة راحة لأهلها في الدنيا والآخرة، وإن أويسا نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأغشى بصر قلبه بصر العيون، فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر، فإنكم منه تعجبون وهو منكم يتعجب، فلما نظر إليكم راغبين مغرورين قد ذهبت على الدنيا عقولكم وماتت من حبها قلوبكم وعشقتها أنفسكم وامتدت إليها أبصاركم استوحش الزاهد منكم لأنه كان حيا وسط موتى)


[473] رواه مسلم.

[474] نص هذه الخطبة (لابن السماك) قالها عند موت داود الطائي.

نام کتاب : النبي الإنسان نویسنده : د. نور الدين أبو لحية    جلد : 1  صفحه : 187
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست