طين
الإنسان من كلأ وماء.. ويغفلون عما تطلبه روحه من علم وإيمان.. وهم يزنون الناس
بما يملكون من أطنان التراب والماء، ولا يزنونهم بما يملكون من حقائق العلم
والإيمان.
قلت: لم تزدني إلا يأسا.
قال: اليأس ينبت الشوق،
والشوق ينبت الحرص.. ومن حرص على شيء وصل إليه.
قلت: أنا لست حريصا على أي
طين ولا علي أي ماء.. أنا أبحث فقط عن الإنسان الذي نفخ فيه روح الإنسان.
قال: ما دمت قد ذكرت ذلك..
فسأدلك على رجل من أهل الله، ومن ورثة رسول الله.. هو بهذه البلاد.. وهو سر
بركتها، وسر ما تراه فيها من أمن وسعادة.
قلت: من هو؟.. لم أسمع
برجل له مثل هذه البركات.
قال: ولكن هذه البلدة سمعت
به.. إنه (أويس القرني)([406]).. هو
رجل ملأ قلوب الناس قناعة ورضا.. فلم يحسد فقيرهم غنيهم، ولم يشح غنيهم على
فقيرهم.. فلذلك لا ترى بينهم لصا ولا غاشا ولا مختلسا ولا محتكرا ولا قاتلا.. ولا
شيئا مما تمتلئ به سجون العالم.
قلت: أسرع بي إليه.. فذلك
الذي أبحث عنه.
***
لقد كان أويس القرني هو
الوارث الرابع الذي عرفت منه، بل علمت علما لا يزاحمه الشك بأن محمدا (ص) هو سيد الزهاد وأكملهم.. وأنه لو اجتمع زهد جميع
الزهاد ووزن بزهد رسول الله (ص) لوزنه
زهد رسول الله (ص).
سار بي الرجل في شوارع
كثيرة قبل أن أصل إلى بيت أويس.. كانت شوارع بسيطة، تخلو من كل مظاهر الترف..
ولكنها مع ذلك نظيفة تفوح من جنباتها الصحة والعافية والسلام.
عندما وصلنا إلى بيت أويس
رأينا رجلا يخرج منه، فالتفت إلي صاحبي، وقال:
[406] أشير به إلى أويس القرني.. وهو أحد أئمة الزهد
الكبار، وقد بشر به رسول الله (ص) في قوله: إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة هو بها
بر، لو أقسم على الله لابره، وكان به بياض فبرئ.. رواه مسلم وغيره.