فقد
قال (ص) هذا لعدي بن حاتم على سبيل التنزيه لا على سبيل
الإلزام، بدليل أنه قال لأبي ثعلبة الخشني: (كل منه)، فقال: وإن أكل منه؟ فقال:
(وإن أكل)، وذلك لأن حالة أبي ثعلبة، وهو فقير مكتسب لا تحتمل هذا الورع، وحال عدي
كان يحتمله.
قال
رجل من الجمع: لقد ذكرت أن هذا هو ورع الصالحين.. فكيف نرى بعضهم، وقد سئل عن دم
البعوض، فيقول: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت النبي (ص)
يقول: (هما ريحانتاي من الدنيا)([400])؟
قال
بشر: صدق.. فإن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها،
وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم
يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه.
وقد
سأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها([401])،
فقال: إن كان بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان
يبرها بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه، فيضربها، فلا يفعل.
قال
رجل من الجمع: عرفنا الدرجة الثانية.. فحدثنا عن الدرجة الثالثة.
قال
بشر: لقد عبر العلماء عن الدرجة الثالثة بأنها ورع المتقين، وهي الامتناع عما لا
تحرمه الفتوى ولا شبهة في حله، ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم، وهو ترك ما لا بأس
به مخافة مما به بأس.
وإليه
الإشارة بقوله (ص): (لا يبلغ العبد درجة
المتقين حتى ما لا بأس به مخافة ما به بأس)([402])
ومما
يروى في هذا عن بعضهم أنه قال: كنت ساكناً في بيت بكراء، فكتبت كتاباً وأردت أن
آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه، ثم قلت: الحائط ليس لي، فقالت لي نفسي: وما قدر
تراب من الحائط؛ فأخذت من التراب حاجتي، فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول: يا فلان،
سيعلم غداً الذي يقول: وما قدر تراب من حائط.
ومن
ذلك ما روي عن آخر أنه كان عند محتضر، فمات ليلاً فقال: أطفئوا السراج
[401] لا نرى أن البر بالوالدين يدخل هذا الباب، لأن البر
مصلحة والطلاق مفسدة، ولا يمكن تقديم جلب المصلحة على درء المفسدة إلا إذا كان في
طلاقها مصلحة، فيطلقها لأجل ذلك، ومثله ما كان من إبراهيم من أمره ابنه إسماعيل بتطليق زوجته.. وقد
ذكرنا المسألة بتفصيل في سلسلة (فقه الأسرة برؤية مقاصدية)
[402] رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه ابن
ماجه والحاكم.