أشكك
فيمن روى عن ابن عباس.. فالحديث الذي ذكرته من رواية الواقدى([420])، وهو
معروف بالضعف، لا يقبل الجهابذة من المحدثين روايته إلا إذا اعتضدت بروايات
الثقات.
قال جيري فاينز: فلنسلم
بما ذكرت من ضعف الرواية عن ابن عباس، ولكن ما تقول في القرآن.. وما تقول في هذه
الآية التي تخبر عن محاولة محمد الانتحار بسبب تكذيب قومه له.. لقد جاء فيها:﴿
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
(الشعراء:3)، وفي آية أخرى:﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ
لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفا﴾ (الكهف:6)؟
ابتسم الحكيم، وقال:
هاتان الآيتان لا تشيران أبداً إلى معنى الانتحار، بل هما تعبير أدبي عن شدة حزن
النبي (ص) بسبب صدود قومه عن
الإسلام، وإعراضهم عن الإيمان؛ وهما تبينان كيف كان اهتمام الرسول الكريم (ص) بدعوة الناس إلى الله، وحرصه الشديد على إخراج
الكافرين من الظلمات إلى النور.
وهذا خاطر طبيعي للنبي
الإنسان البشر الذي يعلن القرآن على لسانه (ص)
اعترافه بأنه بشر في قوله ـ رداً على ما طلبه منه بعض المشركين ـ:﴿ وَقَالُوا لَنْ
نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ
لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا
تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ
تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ
زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى
تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ
إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)﴾(الإسراء)
[420] هو: محمد بن عمر بن
واقد الواقدى، قاضى العراق، رغم دقته فى المغازى وإمامته فيها إلا أنهم ضعفوه فى
الحديث، قال الذهبى: الواقدى وإن كان لا نزاع فى ضعفه، فهو صادق اللسان، كبير
القدر، وقال: ابن حجر: متروك مع سعة علمه، من أشهر مؤلفاته: المغازى، والردة، مات
سنة 207هـ له ترجمة فى: لسان الميزان 9/531.