وأخبر (ص) أن أهل الجنة ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مقسطٌ موفقٌ،
ورجلٌ رحيمٌ رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلمٍ، وعفيفٌ متعففٌ ذو عيالٍ([118]).
فهل يمكن لنبي يدعو إلى
مثل هذا، ويأمر بمثل هذا أن يجور!؟
سكت نيكولاس، فقال الحكيم:
شيء آخر كان يفعله (ص) كثيرا، وهو دليل
من دلائل انتقاض ما ترميه به من استبداد، وهو تخييره (ص) لرعيته بين الاحتمالات المختلفة، ثم قبول ما
تختاره منها، أو يترك لكل شخص ما اختاره منها.
وسأقتصر لك من التاريخ
مثلين أختم بهما:
أما الأول، فهو أنه (ص) لما غنم غنائم بني النضير دعا ثابت بن قيس بن
شماس، فقال: ادع لي قومك، قال ثابت: الخزرج يا رسول الله؟ قال رسول الله (ص):(الانصار كلها)، فدعا له الأوس والخزرج، فتكلم
رسول الله (ص)، فحمد الله تعالى وأثنى
عليه بما هو أهله، ثم ذكر الانصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم
وإيثارهم على أنفسهم، ثم قال:(إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء الله
تعالى علي بن بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم
وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم)
فتكلم سعد بن عبادة وسعد
بن معاذ وجزاهما خيرا، فقالا:(يا رسول الله بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في
دورنا كما كانوا)