وطلب
المغفرة، لا لصدور الذنب منه، بل من باب قياس عمله إلى علو معرفته وعظمة مسؤوليته.
وإن شئت فاستوضح ذلك من
ملاحظة حال المتحضر والبدوي، فالمرجوّ من الأَوّل القيام بالآداب والرسوم الرائجة
في الحضارات الاِنسانية، ولكن المرجوّ من الثاني أبسط الرسوم والآداب، فما ذلك
إلاّ لاختلافهما من ناحية التربية والمعرفة، كما أنّ الترقب من نفس المتحضرين
مختلف جداً، فالمأمول من المثقف أشد وأكثر من غيره كما أنّ الانضباط المرجو من
الجندي يغاير المترقب من غيره، والغفلة القصيرة من العاشق يعد جرماً وخلافاً في
منطق العشق، وليست كذلك إذا صدرت من غيره.
وهذه الاَمثلة ونظائرها
الوافرة تثبت أنّ عظمة الشخصية وكبر المسؤولية متحالفان، وأنّ الوظائف لا تنحصر في
الاِتيان بالواجبات، والتحرّز عن المحظورات بل هناك وظائف أُخرى، وكلّما زاد العلم
والعرفان توفرت الوظائف وكثرت المسؤوليات، ولاَجل ذلك تُعدّ بعض الغفلات أو اقتراف
المكروهات من الأولياء ذنباً، مع أنها في الواقع ليست بالنسبة إليهم ذنباً مطلقاً،
بل إنها ذنب إذا قيس إلى ما أُعطوا من الاِ يمان والمعرفة، ولو قاموا بطلب المغفرة
والعفو، فإنّما هو لاَجل هذه الجهات.
ولهذا نرى شيخ الاَنبياء
نوحاً ـ عليه السلام ـ يقول:﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي
وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارا﴾
(نوح:28)
ويقتفيه إبراهيم ـ عليه
السلام ـ ويقول:﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي
وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾
(ابراهيم:41)
وعلى أثرهم يقول النبي (ص):﴿ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
(البقرة:285)