والمنشأ الوحيد
لهذا الطلب مرّة بعد أُخرى هو وقوفهم على أنّ ما قاموا به من الأَعمال والطاعات
وإن كانت في حد نفسها بالغة حدّ الكمال لكن المطلوب والمترقّب منهم أكمل وأفضل
منه.
قام رجل من القوم، وقال:
لقد ورد في الحديث إشارة إلى أن النبي (ص) يعرض
له ما يستدعي الاستغفار، فقد قال (ص):(إنه
ليغان على قلبي حتى أستغفر الله، وفي لفظ: وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)([36]).. فقد
ذكر أن علة استغفاره ما يحل على قلبه من الغين.
قال الحكيم: سر هذا الحديث
لا يفهمه إلا أولياء الله الذين رزقوا من أذواق أهل الله ما يتيح لهم التعبير عن
بعض حقائق الجمال التي وردت فيه.. وقد قال أبو الحسن الشاذلي في الحديث: رأيت رسول
الله (ص) فسألته عن حديث: (إنه
ليغان على قلبي)، فقال: (يا مبارك ذلك غين الأنوار).
وقال الشيخ شهاب الدين
السهروردي: لما كانت روح النبي (ص) لم
تزل في الترقي إلى مقامات القرب تستتبع القلب، والقلب يستتبع النفس، ولا ريب أن
حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج،
فمما نهضت به الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تتقطع علاقة النفس عنه، فيبقى العباد
محرومين فكان (ص) يفزع إلى
الاستغفار، لقصور النفس عن ترقي القلب.
وقال: لا تعتقد أن الغين
حالة نقص، بل هو حالة كمال.. فذلك مثل جفن العين حين يمسح الدمع القذى عن العين،
فإنه يمنع العين عن الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة