هما سمتان شخصيّتان تبادليَّتان.. أي حيث توجد
إحداهما فلا وجود للأخرى.
التفت إلي، وقال: سأذكر لك حوارا يمثل هذه الحلقة
المفرغة الَّتي يدور فيها غير المسلمين بشكلٍ دائم. فإذا سألت أحدهم: (ما هو
مصدر القرآن الكريم؟)، فإنَّه سيجيبك بأنَّ مصدره
هو عقل رجلٍ كان مصاباً بالجنون، وعندئذ تسأله: (إن كان
قد جاء به من رأسه، فمن أين حصل على المعلومات المحتواة فيه؟ فمن المؤكَّد أنَّ
القرآن الكريم يذكر أشياء كثيرة لم يكن العرب يعرفونها)، ولكي
يستطيع أن يفسر الحقيقة الَّتي قدَّمتها له فإنَّه سيغيِّر موقفه ويقول: (حسناً،
ربَّما لم يكن مجنوناً، بل ربَّما كان بعض الأعاجم يعطونه تلك المعلومات، وهكذا
كذب على النَّاس وأخبرهم بأنَّه كان نبيّاً)
وعند هذه النقطة يجب أن تسأله: (إذا
كان محمدٌ كاذباً، فمن أين حصل على ثقته بنفسه؟ ولماذا كان يتصرَّف وكأنَّه كان
نبيّاً فِعلاً؟)
وفي النِّهاية ـ وعندما يكون قد حُشر في الزاوية ـ
فإنَّه كالقطَّة سيندفع فجأةً وبسرعةٍ بأوَّل ردٍّ يخطر على باله ـ ومتناسياً
أنَّه قبل ذلك استثنى ذاك الاحتمال ـ ليدَّعي: (حسناً،
ربَّما لم يكن كاذباً. ربَّما كان مجنوناً وحقّاً كان يعتقد أنَّه نبيّ)، وهكذا
يبدأ دورانه في الحلقة المفرغة من جديد.
لقد ذكر القرآن الكريم هذا، واعتبره من أساليب
الكفار في جحد الحقائق، فالله تعالى يقول:﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ
جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ(13)ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ
مَجْنُونٌ(14)﴾ (الدخان)
سكت قليلا، وكأنه يسترجع ذكرياته مع أمثال هؤلاء
الجاحدين الذين ملأوا الدنيا بالشبهات الجوفاء، ثم قال: قبل سبع سنواتٍ تقريباً،
زارني أحد الرُّهبان في بيتي، وفي تلك الحجرة