لقد كانت سياسة
الرأسمالية يومئذ هي وضع العالم علي حافة الحرب من أجل تنشيط صناعة السلاح وبيعه،
وهي ـ كما تعلم ـ من أربح الصناعات بالنسبة إليهم.
ولكن كنيدي كانت له نظرة
أخرى مختلفة، ينطلق فيها من مصلحة الولايات المتحدة التي هو رئيسها المنتخب لتحقيق
مصالحها.. فقد كان رأي كنيدي أن المصلحة القومية للولايات المتحدة تقتصي تهدئه
الأحوال العالمية، لكي يوجه الانفاق إلي رفاهية الشعب الأمريكي بدلا من توجيه إلي
صناعة الحرب التي لا عائد منها علي الشعب.. لذلك سعي إلي مصالحة الاتحاد السوفيتي
والاتفاق معه علي تهدئه الأحوال العالمية، وخطا بالفعل خطوة نحو إشاعة السلام، فمد
يده إلي خروشوف الزعيم الروسي القائم بالحكم يومئذ لفتح باب المحادثات التي تؤدي
إلي توطيد السلام، وخطا خرشوف من جانبه خطوة فقبل أن يدخل في محادثات السلام.
ورغم أن هذا كان تصرفا
حكيما من وجهة النظر الأمريكية البحتة، فضلا عما فيه من إراحة أعصاب العالم من
الخوف الدائم من نشوب الحرب، فإن الرأسمالية الأمريكية ذاتها لم توافق عليه لأنه
ضد مصالحها الذاتية، لذلك أنشأت إضرابا طويلا في مصانع الصلب علي سبيل الإنذار، مع
أن هذا الاضراب يضر المصالح المؤقتة للرأسمالية ولكنه يؤدي إلي كسب أكبر بالضغط
علي كنيدي ليترك سياسة التهدئة التي كان يقوم بها بالاتفاق مع خروشوف، فلما لم
يأبه كنيدي بالإنذار، ومضي في سياسيته، هددوه مرة ثانية بإضراب آخر في مصانع الصلب
استمر مدة أطول من الأولى، ولما لم يرضخ بعد هذا الإنذار الشديد، وأصر علي السياسة
التي رآها أكثر تحقيقا لصالح الشعب الأمريكي ـ فضلا عن إراحة العالم من الخوف ـ
قرروا أنه لابد من التخلص منه بإجراء أشد، فقتلوه! قتلوه وهو لس فردا عاديا من أفراد
الشعب، بل هو رئيس الجمهورية المنتخب برضا الشعب، والمسئول عن مصالح الشعب
الأمريكي كله! قتلوه ثم لعبوا بالتحقيق،