ولا غرابة في كل هذا ـ كما
يقول سيد قطب ـ (فإن الأحدية التي أمر رسول الله (ص) أن
يعلنها: قل هو الله أحد. هذه الأحدية عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة)
ولهذا ـ خلاف ما قد نتصور
ـ فإن غاية رسالة محمد لم تكن الدعوة والتربية على معنى التوحيد الذي ينفي الشريك
فقط، وإنما الدعوة والتربية على معنى الأحدية الذي ينفي الوجود الذاتي لغير الله..
وعلى كليهما تقوم حياة المؤمن، ومن كليهما يستمد العارف([231]).
لقد شرح سيد قطب بتعبيره الجميل
المعاني التي يعيشها العارف، وهو في ظلال هذا الاسم الجليل، فقال: (إنها أحدية
الوجود.. فليس هناك حقيقة إلا حقيقته. وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده، وكل موجود
آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة
الذاتية)
وهذه الحقيقة هي التي
تتأسس عليها كل حقائق المعرفة والسلوك، وهي النهاية التي ينتهي إليها سلوك العارف
ليبدأ بها استمداده، فهو ما دام ينظر إلى الوجود نظرة الشريك الذي يزاحم ربه في
وجوده، لا يستمد من هذا الوجود غير الجهل والتشتت، لكنه إن خلع عنه هذا الوجود
المشرك، وحلاه بحلية الأحدية، فإن الوجود كله يصبح عيونا تفيض بالمعارف على قلبه.
ولهذالا يفهم العارفون من
قول (لا إله إلا الله)، ما يفهمه الكثير من قصر معناها على (لا معبود بحق إلا الله)،
بل يفهمون ذلك، ومعه يفهمون أن (لا موجود بحق إلا الله)
[231] انظر تفاصيل
هذه المسألة والموقف القرآني منها في رسالة (أكوان الله) من هذه السلسلة.