قال: لقد درست عن
كثب مجتمعات كثيرة متنوعة.. فلم أجد مجتمعا يمتلئ بالتواضع كالمجتمع الإسلامي.
قلت: ما علاقة التواضع
بالمساواة؟
قال: لا يمكن أن تنشأ
المساواة إلا في ظلال دين أو فلسفة تعتبر التواضع قيمة من قميها الكبرى.. وخلقا من
أخلاقها الرفيعة..
ذلك أن الطبقية لا تنشأ
إلا في ظلال المتكبرين.. فالمتكبرون ـ بالقوانين التي يسنونها لأنفسهم، أو يسنها
لهم مجتمعهم ـ هم الذين يحولون المجتمعات إلى طبقات يعتلون هم أعلى درجاتها.
لقد بحثت في تاريخ أوربا
في العصور الوسطى ([207]) ـ في
الوقت الذي كان فيه المسلمون يدا واحدة وقلبا واحدا ـ فوجدت طبقات النبلاء أو
الأشراف، ورجال الدين والشعب، طبقات متميزة محدَّدة المعالم يختلف بعضها عن بعض،
بحيث لا يخطئ الإنسان معرفتها بمجرد النظر.
فرجال الدين لهم ثيابهم
الخاصة التي تميزهم، وكان لهم في تلك العصور سطوة كبرى، فكان البابا سلطة مناوئة
للملوك والأباطرة، يريد أن يزعم أنه هو الذي يمنحهم السلطان على الشعوب، ويريدون
هم أن ينسلخوا من سلطته ويستقلوا بأنفسهم. وكانت لهم كذلك أموال طائلة من الأوقاف
التي وقفها عليهم المتدينون، ومن الإتاوات التي يفرضونها هم على الناس، بل كانت
للكنيسة جيوش كاملة في بعض الأحيان.