قال: أجل.. هذه الشجرة
تمثل الإنسان.. لقد رأيت أخواتها في الغابات الطليقة، ورأيت لها من الجمال ما لا
يمكن وصفه، وذقت من ثمارها ما لا يستطيع لساني أن ينساه، وشممت من روائحها الطيبة
ما ملأني بالروحانية العذبة..
أما هذه الشجرة المسكينة
التي عزلت عن أخواتها، وأكرهت على أن تعيش في واقع غير واقعها.. وأن تعيش حياة غير
حياتها.. فأنت تراها ذابلة ميتة.. نعم لها أوراق وسيقان تجعلها تعيش حياة بدائية..
ولكن بلا ثمار طيبة.. ولا روائح زكية.. ولا حياة مطمئنة.
قلت: ما علاقة ذلك ببغضك
لنظرية دارون؟
قال: دارون نقل شجرة
الإنسان من الغابة التي غرست فيها إلى غابة اختلط فيها الكل.. فلم تعد للإنسان
رائحة الإنسان، ولا طعم الإنسان، ولا جمال الإنسان.
قلت: لم أفهم مرادك.
قال: لقد كان الإنسان منذ
وجدت الدنيا ينظر إلى نفسه على أنه مخلوق مميز مكرم مزين بالعقل والمشاعر.. وبما
لا يمكن حصره من القيم والمثل النبيلة.
ولكنه بمجيئ دارون..
وبتغلغل أفكاره في المجتمع.. تغير الموقف تماما.
فنظرية دارون تقرر حيوانية
الإنسان وماديته.. أي أن الظروف المادية المحيطة بالإنسان هى التى أثرت فى تطوره
وإعطائه صورته.. وهي بذلك تنفى القصد والغاية من خلقه، وتنفى التكريم الربانى له
بإفراده بين الكائنات الأخرى بالعقل والقدرة على الاختيار والقدرة على التمييز