وبعد انتهاء داود من عرض الحكم، انتبه إلى خطئه في
عدم سماع الخصم الثاني، وعلم أن ما حصل له فتنة([30]) ينبغي
عليه تدارك خطئه فيها بالاستغفار.
وهذه القصة بهذا العرض القرآني المبسط تشبه ما حصل
لمحمد (ص) من العتاب الإلهي له في
شأن عبد الله بن أم مكتوم، أو العتاب الإلهي في شأن الأسرى وغيرهم، وهي مواقف تدل
على كمال الرسل أكثر من دلالتها على نقصهم.
طرق بمطرقته عدة طرقات، ثم قال: أتدري لم رمى
اليهود نبي الله داود بهذا.. القرآن الكريم يوضح ذلك.. لقد ورد فيه :﴿ لُعِنَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ
مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾(المائدة:
78 ـ 79) لقد انتقم اليهود من داود شر انتقام.. ثم تبعتموهم أنتم.. فرحتم تنتقمون
من غير أن تعرفوا لم تنتقمون.
صمت داود، ثم راح يطرق بمطرقته بقوة.. وكأنه يضرب
أعناق الذين شوهوا داود، وصورة داود..
تركته في تلك الحال.. وانصرفت بحيرة جديدة.. وببصيص
من النور اهتديت به بعد ذلك إلى أشعة محمد (ص).
[30] هذا
ما نراه، ولا حاجة إلى اعتبار الحكمين من الملائكة، كما ذهب إلى ذلك أكثر
المفسرين، ومنهم سيد قطب الذي قال: ويبدو أنه عند هذه
المرحلة اختفى عنه الرجلان: فقد كانا ملكين جاءا للامتحان ! امتحان النبي الملك
الذي ولاه الله أمر الناس، ليقضي بينهم بالحق والعدل، وليتبين الحق قبل إصدار
الحكم. وقد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة.
(انظر: الظلال: 3018)