سألت الفضيل عنه، فقال: هذا رجل من أهل الله نذر نفسه
لكتاب ربه.. فهو لا يتكلم به.. ولا يقرأ في حياته غيره.
قلت: فما باله لا يقرأ إلا آيات الاستغفار؟
قال: هو يطلب ممن حوله أن يستغفروا ربهم.. ويخبرهم أن
ذلك هو شأن عباد الله الصالحين من الأولياء والمرسلين..
تركناه يرتل بخشوع.. والناس من حوله يخشعون لخشوعه..
ثم سرنا إلى محل من المحلات كان صاحبه ينشر أمامه أوراقا يقرأ منها أحاديث للنبي (ص)، فسألت الفضيل عنه، فقال: هذا رجل من أهل
الله.. نذر نفسه أن لا يذكر عباد الله إلا بأحاديث رسول الله.. إنه معروف في هذا
السوق، وهم يلقبونه بابن أبي الدنيا([441]).
ابتسمت، وقلت: ولم لم يلقبوه بابن أبي الآخرة ما دام
يذكرهم بالآخرة؟
قال: لقد لقبه بذلك رجال من أهل الدنيا.. كان لهم من
الغنى والسعة ما لهم.. ولكنهم لم يجدوا من اللذة ما وجدوه في صحبته.. فلذلك أطلقوا
عليه هذا اللقب.
[441] هو عبد الله بن
محمد بن عبيد بن سفيان القرشي الاموي، مولاهم، البغدادي، أبو بكر، المعروف بابن
أبي الدنيا (208 - 281 هـ) كان حافظا للحديث، مكثرا من التصنيف.. له مصنفات اطلع
الذهبي على 20 كتابا منها، ثم ذكر أسماءها كلها، فبلغت 164 كتابا، منها (الفرج بعد
الشدة) و(مكارم الاخلاق) و(ذم الملاهي) وغيرها كثير.