الأرض
وبه رمق، فمشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الحسين: (رحمك الله يا
مسلم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلو تبديلاً)، ودنا منه حبيب، فقال:
عز والله علي مصرعك يا مسلم.. أبشر بالجنة.. فقال له بصوت ضعيف: بشرك الله بخيرٍ..
ثم قال له حبيب: لولا أنني أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك..
فقال له مسلم: فإني أوصيك بهذا ـ وأشار بيده إلى الحسين ـ فقاتل دونه حتى تموت..
فقال له حبيب: لأنعمنك عيناً.. ثم مات.
فخرج عمرو بن قرظة الأنصاري، فاستأذن الحسين، فأذن
له، فأبلى بلاء حسنا حتى قتل جمعاً كثيراً من حزب ابن زياد، وكان لا يأتي إلى
الحسين سهمٌ إلا اتقاه بيده ولا سيف إلا تلقاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين
سوء، حتى أثخن بالجراح.. فالتفت إلى الحسين وقال: يابن رسول الله أوفيت؟ قال:
(نعم، أنت أمامي في الجنة، فاقرأ رسول الله (ص) عني السلام وأعلمه أني في الأثر)، فقاتل حتى قتل.
ثم برز جون مولى أبي ذر، وكان عبداً أسوداً، فقال له
الحسين:(أنت في إذنٍ مني، فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا)، فقال:
يا ابن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة أخذلكم، والله إن ريحي
لمنتن، وإن حسبي للئيم ولوني لأسود، فتنفس علي بالجنة، فيطيب ريحي ويشرف حسبي
ويبيض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم). ثم قاتل
حتى قتل.
ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي، فقال للحسين: (يا أبا
عبدالله، جعلت فداك قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف فأراك وحيداً فريداً
بين أهلك قتيلاً)، فقال له الحسين: (تقدم، فإنا لا حقون بك عن ساعة)، فتقدم فقاتل
حتى قتل.
وجاء حنظلة بن سعد الشبامي، فوقف بين يدي الحسين يقيه
السهام والسيوف والرماح