وقال للحسين: جعلت فداك أنا صاحبك الذي حبسك عن
الرجوع وجعجع بك، والله ما ظننت أن القوم يبلغون بك ما أرى، وأنا تائب إلى الله،
فهل ترى لي من توبة؟ فقال الحسين: (نعم.. يتوب الله عليك.. فانزل)، فقال: أنا لك
فارساً خيرٌ مني راجلاً، وإلى النزول يؤول آخر أمري.
ثم قال: فإذا كنت أول من خرج عليك، فأذن لي أن أكون
أول قتيل بين يديك، لعلي أكون ممن يصافح جدك محمداً غداً في القيامة.
فأذن له، فجعل يقاتل أحسن قتال، ثم استشهد، فحمل إلى
الحسين، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: (أنت الحر كما سمتك أمك، حر في الدنيا
وحر الآخرة)
وخرج برير بن خضير، وكان زاهداً عابداً، فخرج إليه
يزيد بن معقل، واتفقا على المباهلة إلى الله: في أن يقتل المحق منهما المبطل،
فتلاقيا، فقتله برير، ولم يزل يقاتل حتى قتل.
وخرج وهب بن حباب الكلبي، فأحسن في الجلاد وبالغ في
الجهاد، وكان معه زوجته ووالدته، فرجع إليهما وقال: يا أماه، أرضيت أم لا؟ فقالت:
لا، ما رضيت حتى تقتل بين يدي الحسين.. وقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني في
نفسك.. فقالت له أمه: يا بني اعزب عن قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيك تنل
شفاعة جده يوم القيامة.. فرجع، ولم يزل يقاتل حتى قطعت يداه، فأخذت امرأته عموداً،
فأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله (ص)، فأقبل ليردها إلى النساء، فأخذت بثوبه،
وقالت: لن أعود دون أن أموت معك.. فقال الحسين: (جزيتم من أهل بيتٍ خيراً، ارجعي
إلى النساء يرحمك الله)، فانصرفت إليهن، ولم يزل الكلبي يقاتل حتى قتل.
ثم خرج مسلم بن عوسجة، فبالغ في قتال الأعداء، وصبر
على أهوال البلاء، حتى سقط إلى